ألزهايمر.. لماذا أصبح الإنسولين مشتبها به جديدا؟

هل فهمنا أسباب مرض ألزهايمر بشكل خاطئ؟ (بيكسابي)
هل فهمنا أسباب مرض ألزهايمر بشكل خاطئ؟ (بيكسابي)

كريستيان هولشر*

أعلنت شركة "جونسون آند جونسون" مؤخرا عن توقف تجارب سريرية لعلاج جديد لمرض ألزهايمر عقب ظهور مشاكل متعلقة بالسلامة. يضاف هذا الفشل الأخير إلى عشرات التجارب السريرية الكبيرة المكلفة التي لم تُظهر أي تأثير في علاج هذا المرض المدمر.

يجب أن تجعلنا القائمة المتزايدة من الفشل أن نتوقف بعض الوقت للتفكير؛ هل فهمنا أسباب مرض ألزهايمر بشكل خاطئ؟

لاحظ عالم نفس والباثولوجيا العصبية الألماني ألويس ألزهايمر في التحليلات الأولية للمرض تغيرات شاذة في مخ مريض مات بسبب هذا المرض.

وتعرّف ألزهايمر -الطبيب- على نوعين من تكتلات البروتين التي لا تتواجد في الأمخاخ الأصغر سنا؛ الترسبات (Plaques) والتي تتواجد بين خلايا المخ، والعقد (Tangles) الموجودة داخل خلايا المخ.

حدد بحث تالٍ نوع البروتينات التي تكون الترسبات على أنها من مادة الأميلويد (amyloid) والبروتينات الأخرى التي تكون العقد على أنها تاو (tau). ما تزال وظائف تلك التركيبات تحت المناقشة.

تحذيرات تذهب أدراج الرياح
نصح ألزهايمر العلماء بعدم الركون إلى هذه الاستنتاجات بأن البروتينات هي ما يسبب المرض. لسوء الحظ، تم تجاهل تحذيره، وبمرور السنوات، أصبحت فكرة أن تراكم هذه البروتينات هو ما يسبب مرض ألزهايمر مقدسة كإنجيل.

أحد المشاكل هو أنه ليس من الممكن اختبار -بالتجربة العلمية- ما إن كانت هذه النظرية صحيحة. فقط في السنوات الأخيرة تطورت التكنولوجيا لتتمكن من اختبار ما الذي تفعله هذه البروتينات حقا، واتضح أن الأمر ليس كما افترض العلماء سابقا.

على سبيل المثال، أظهرت الفئران المعدلة جينيا، بحيث يتراكم الأميلويد البشري في أمخاخها، تدهورا بسيطا في وظائف الدماغ. لكن صناعة الأدوية اتخذت قرارها منذ وقت طويل بأن الأميلويد هو المذنب، ثم أصبح هو هدف كل أدوية ألزهايمر منذ حينها.

تهدف هذه الأدوية إلى تقليل مستوى الأميلويد في المخ، إما عن طريق إبطاء عملية تكوين الأميلويد أو عن طريق إزالته من المخ. اختبرت كلتا الطريقتين عدة مرات باستخدام تقنيات وأنواع أدوية مختلفة. لم تظهر هذه التجارب أي تأثير، هجرت بعض شركات الأدوية، بما في ذلك شركة فايزر، هذا الحقل من الأبحاث تماما.

يجب أن يُفسر الفشل المستمر للأدوية الجديدة في إحداث فارق كدليل على أن بروتين الأميلويد ليس مسببا لألزهايمر. غيرت بعض الشركات وجهتها لبروتين التاو الموجود في خلايا المخ. لكن مجددا، استمرت شركات الأدوية في افتراضها أن بروتينا واحدا هو المسبب للمرض.

ألزهايمر يؤدي إلى تراجع إدراك الشخص وقدراته (بيكسابي)

مسارات جديدة واعدة
ربما هذا هو الوقت المناسب لإعادة التفكير في المرض برمته. أحد هذه الأساليب هو البحث عن الجينات التي تزيد من خطر الإصابة بالمرض. المشكلة في هذه الطريقة هو أن هناك جينات قليلة جدا بشكل مستغرب من هذا النوع، كما أنها نادرة جدا.

لا يبدو أن الطفرات الجينية هي سبب مرض ألزهايمر، لذا لم تسلط هذه الطريقة أي ضوء جديد على العمليات الأساسية للمرض.

يوجد اختيار آخر وهو النظر إلى العوامل الخطيرة التي تؤدي إلى تطور مرض ألزهايمر. أحد هذه العوامل هو داء السكري من النوع الثاني. بشكل واضح يعتبر السكري مختلفا تمام الاختلاف عن ألزهايمر، إذا ما الذي يربط بينهما؟

يصبح الإنسولين -في داء السكري- أقل فاعلية في التحكم في مستوى السكر في الدم. ولكن الإنسولين له دور أبعد من مجرد التحكم في مستوى السكر في الدم؛ إنها مادة تسمى "growth factor" أو "عامل نمو". تعتمد الخلايا العصبية (خلايا المخ) بشكل كبير على عوامل النمو، وتموت إذا لم يصل إليها ما يكفي من هذه المادة.

يبدو أن خسارة عامل النمو الموجود في الإنسولين يؤثر في خلايا المخ ويجعلها غير حصينة ضد الضغط ويقلل من قدرة المخ على إصلاح الأضرار التي تتراكم مع الوقت. (تعيش الخلايا العصبية بالقدر الذي نعيشه، لذا فهناك وقت كاف بالنسبة للضرر ليتراكم في الدماغ).

عامل نمو
وجد العلماء بالنظر إلى نسيج المخ من مريض ألزهايمر ميت، أن الإنسولين فقد تأثيره كعامل نمو، حتى في الأشخاص الذين لم يعانوا من السكري. اقترحت هذه الملاحظة أن أدوية السكري ربما تكون علاجا فعالا لمرضى ألزهايمر. وأظهرت بعض التجارب نتائج مدهشة في دراسات على الحيوانات، ومن ثم بدأت بعض التجارب السريرية.

أظهر اختبار هذه الأدوية على حيوانات تعاني من اضطرابات عصبية أخرى، كداء باركنسون، تأثيرات مبهرة، وأظهرت تجربتان سريريتان على مرضى باركنسون تأثيرات وقائية جيدة.

في واحدة من هذه التجارب -دراسة تجريبية- لم تتدهور حالة مجموعة المرضى الذين تناولوا علاج السكري لمدة سنتين بينما المجموعة التي تمت المقارنة على أساسها، التي أخذت العلاج العادي لداء باركنسون تدهورت حالتها بشكل ملحوظ.

التجربة الأخرى، والتي كانت تجربة أكبر باستخدام التأثير البديل الوهمي، أكدت هذه النتائج ولم تظهر أي تدهور في المجموعة التي أخذت علاج السكري لمدة 12 شهرا.

تعتبر رؤية أي تأثير وقائي أثناء التجارب السريرية شيئا جديدا تماما، وهذا ما يؤيد النظرية الجديدة التي تقول إن سبب داء ألزهايمر وباركنسون -على الأقل جزئيا- هو نقص نشاط عامل النمو في المخ. تضع هذه النظريات رؤية جديدة للكيفية التي تتطور بها هذه الأمراض ويزيد من إمكانية تطوير علاج دوائي يحدث فارق.
_______________
* أستاذ علم الأعصاب، جامعة لانكستر، نشر المقال على موقع "ذا كونفيرزيشين".

المصدر : مواقع إلكترونية