ما الفيروسات العملاقة؟

الفيروسات صغيرة جدا لدرجة أننا لا يمكن أن نراها بالمجهر الضوئي ونحتاج إلى مجهر إلكتروني (منظمة المجتمع العلمي العربي)
الفيروسات صغيرة جدا لدرجة أننا لا يمكن أن نراها بالمجهر الضوئي ونحتاج إلى مجهر إلكتروني (منظمة المجتمع العلمي العربي)

أ. د. عبدالرؤوف المناعمة-روان ريدة*

هذا أشبه بعنوان لشد الانتباه لا أكثر، أو أن هناك حقاً فيروسات عملاقة؟ أو أن اصطلاح عملاق هو نسبي لمقارنة فيروس بأقرانه المعروفة؟ دعونا نتعرف على حقيقة هذا الأمر من خلال هذه السطور.

تندرج جميع الكائنات الحية، وفقاً لتصنيفات العلماء، تحت ثلاثة نطاقات رئيسية، وهي: البكتيريا، والبكتيريا القديمة، وحقيقيات النوى؛ التي تضم النباتات والحيوانات والفطريات.

أما بالنسبة للفيروسات، فما زالت محور جدل بين العلماء، فهي عوامل مُمْرِضة دقيقة جداً، لا تمتلك خلايا، ولا تستطيع أن تتكاثر بصورة مستقلة؛ بل يلزم أن تكون داخل خلايا العائل (إجبارية التطفل)، فيراها البعض كائنات غير حية؛ وبالتالي يصعب إدراجها ضمن المجموعات الثلاث الرئيسية، خصوصا أنها لا تمتلك من صفات الحياة سوى التكاثر.

ومن المعروف أن الفيروسات صغيرة جدا لدرجة أننا لا يمكن أن نراها بالمجهر الضوئي ونحتاج إلى مجهر إلكتروني للحصول على صورة لها.

ويمكن القول إن الفيروسات المسببة للأمراض تختلف في أحجامها، وقد يصل أكبرها (فيروس الجدري) إلى حجم أصغر بكتيريا (المياكوبلازما). وفي عام 2003 تم اكتشاف مجموعة من الفيروسات العملاقة (بالمقارنة مع ما هو معروف)، وكانت الأميبا عائلاً لها، وأُطلق عليها اسم الفيروسات المحاكية "المقلدة" (Mimiviruses)، وذلك لأنها أظهرت تشابها مع البكتيريا، حيث تمت ملاحظتها تحت المجهر بعد صباغتها، وشُخصت في بادئ الأمر على أنها بكتيريا موجبة غرام.

تمتلك هذه الفيروسات أحجاماً كبيرة، وتحمل أكثر من 2500 جين (الجين هو الشفرة الوراثية لصناعة بروتين)، ومن خلال دراسة جيناتها يعتقد بعض العلماء بأن أسلافها من الممكن أن يكونوا قد استطاعوا العيش خارج خلايا العائل (معيشة حرة عكس ما هو معروف عن الفيروسات)، فهي تمتلك جينات لإنتاج بروتيناتها الخاصة بها.

‪الفيروسات ما زالت محور جدل بين العلماء‬ (غيتي)

نقاش
هذا الاكتشاف أدى مرة أخرى إلى نقاش بين العلماء، وتتلخص آراء العلماء في قسمين: القسم الأول يعتقد بأن الفيروسات بدأت ككائنات مكتفية ذاتياً، ثم حوصرت داخل خلايا أخرى، فانتهى بها المطاف لتصبح متطفلة وتضطر للتخلص من الجينات التي لم تعد بحاجة لها؛ بمعنى أن الفيروسات العملاقة هي بقايا لنطاق رابع للحياة وأصبح الآن منقرضاً.

بينما ينظر القسم الآخر للفيروسات على أنها جزيئات قامت على مدى مئات الملايين من السنين بانتزاع واختطاف المواد الوراثية للكائنات المضيفة، ولا يؤمن مؤيدو هذه النظرية بأن هناك ما يلزم لأن تكون الفيروسات ضمن مجموعة رابعة، فهم يعتقدون بأن الفيروسات العملاقة تنتمي لمجموعة من الفيروسات التي تحتوي على فيروسات أصغر لكنها قامت بإدراج المزيد والمزيد من المواد الوراثية، إلى أن أصبحت ضخمة.

في عام 2017، تعاونت مجموعة من الباحثين من معهد الجينوم المشترك في وزارة الطاقة بولاية كاليفورنيا، مع مجموعة علماء نمساويين للتعرف على ميكروبات الرواسب الطينية في محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي في كلوستيرنيوبورغ بالنمسا.

وتم اكتشاف نوع آخر من الفيروسات العملاقة، أطلق عليها اسم فيروسات كلوسنيو (Klosneuviruses). يحتوي جينوم فيروسات كلوسنيو على شفرات لعشرات الإنزيمات والآليات الجزيئية الأخرى المستخدمة في صنع البروتينات، بعض هذه الأجزاء فريد جداً ولم يسبق له مثيل في أي نوع من الفيروسات الأخرى، بما فيها الفيروسات المحاكية.

كان اكتشاف هذا النوع الجديد من الفيروسات العملاقة فرصة للتأكد إذا كانت قد انحدرت من نطاق رابع للحياة الخلوية أو من فيروسات أخرى. وباستخدام برامج حاسوبية معقدة لتتبع التاريخ التطوري لجينوماتها الغامضة، وجد الباحثون من خلال مقارنة جينومات الفيروسات العملاقة المختلفة، أن آليات صنع البروتين هي إضافة وراثية حديثة نسبياً، وليس بقايا من جينومات الأسلاف.

وخلُص الباحثون إلى أن الفيروسات العملاقة التي تم تحليلها في هذه الدراسة تطورت عدة مرات من فيروسات أصغر حجماً، وقاموا برفض فكرة أنها تطورت من أشكال الحياة الخلوية (النطاق الرابع). ولا يزال الوقت مبكراً للجزم بأن الجدل حول أصل الفيروسات قد تمت تسويته؛ فالكائنات المضيفة لفيروسات كلوسنيو والتي تبرعت بجيناتها لها، ما زالت مجهولة، فلم يستطع العلماء عزل الفيروس وتنميته.
_______________
* الجامعة الإسلامية-غزة. بتصرف من مقال منشور على موقع منظمة المجتمع العلمي العربي بعنوان "الفيروسات العملاقة".

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي

حول هذه القصة

“العاثيات” هي فيروسات تستطيع القضاء على البكتيريا، لذا فإن بعض الباحثين أطلقوا على هذه الفيروسات اسم “فيروسات النينجا”، فهل يمكن استعمالها للقضاء على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية؟

قالت دراسة حديثة إننا نتعرض لمطر فيروسي من السماء، وإن عدد الفيروسات التي تصل الأرض يبلغ 800 مليون فيروس على كل متر مربع يوميا.

قال باحثون بريطانيون إنهم توصلوا لعلاج فعّال لمكافحة جميع نزلات البرد بأنواعها المختلفة، لا يعتمد على مهاجمة الفيروسات نفسها بل يستهدف المضيف البشري.

الحمى النزفية الفيروسية هو مصطلح عام يشير إلى مرض وخيم مصحوب بنزف في بعض الأحيان، قد يسببه عدد من الفيروسات.

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة