معلوماتنا الطبية الشخصية.. هل تنتهي بأيدي الأجهزة المخابراتية؟

د. محمد أغر ناهض الريس*

يشهد عالم الطب ثورة قد تغيّر وجهه الذي اعتدنا عليه إلى الأبد، ولكن هل ستستفيد منها شركات التأمين ضدنا وكذلك أجهزة المخابرات؟

وما زال مريض اليوم كمريض الأمس يعود الطبيب ليشخّص سبب مرضه ويصف له العلاج المناسب لحالته. ولكن مريض غد القريب سيعرف احتمال إصابته بمرضه قبل أن يلمّ به، كما سيوصف له دواء خاص به قد يكون مختلفاً عما يوصف لمريض آخر يعاني المرض نفسه.

لم يعد الأمر خيالا علميًّا كما كانت عليه الحال قبل بضع سنوات، بل أصبح واقعاً نعيشه الآن عن طريق شخصنة العلاج أو ما يعرف بالطب الشخصي (personalized medicine).

ما نحن عليه هو حصيلة عاملين أساسيين يعملان جنباً إلى جنب، الأول هو الاستعداد الوراثي المكتوب في الشفرة الوراثية أو "دي أن أي"، والآخر هو البيئة المحيطة التي تتضمن الغذاء وأسلوب الحياة والتلوث البيئي والضغوط النفسية وغيرها من العوامل التي تتفاعل مع المادة الوراثية لتخرجنا بالشكل الذي نحن عليه بما فينا من صفات كالشكل والطول والذكاء والأمراض التي عانينا أو تلك التي سنعاني منها في المستقبل.

قد سمحت الثورة التقنية التي شهدناها مؤخراً بفكّ الشفرة الوراثية الكاملة للأشخاص بزمن وتكلفة يسيرين حتى بات المستقبل الصحي للأفراد كتابا مفتوحاً يستطيع المختصّ أن يستخلص منه الأمراض التي قد تلمّ بهم إذا اتّبعوا أسلوب حياة معين، والتي قد يتجنبها هؤلاء إذا غيّروا أسلوب حياتهم بشكل يتلاءم مع استعدادهم الوراثي.

فإذا حمل أحدهم مجموعة طفرات وراثية تتفاعل مع الغذاء الغني بالدهون على سبيل المثال والذي قد يؤدي إلى أمراض القلب والشرايين المبكرة، فإن معرفة هذه المعلومات وأخذ أدوية معينة ينسجمان مع تلك الطفرات (أو شخصنة العلاج) قبل الإصابة بتلك الأمراض، بالإضافة إلى الابتعاد عن تلك الأطعمة، مما يؤدي إلى وقاية الفرد من تلك الأمراض.

ما يشغل بال العديدين هو الخوف من أن تصبح تلك المعلومات الخاصة جداً في متناول شركات التأمين التي قد تستخدمها لرفض تغطية علاج البعض لمعرفتها بطبيعة مرضهم قبل إصابتهم، كما أن الخوف يكمن أيضا في حصول الأجهزة المخابراتية على تلك المعلومات بطرق شرعية أو غير شرعية حتى يصبح أغلى ما يملك المرء في متناول أيديهم يستغلونه كيفما يخططون

طفرات
أما في حالة علاج الأمراض المستعصية فقد مكّن فك الشفرة الوراثية للورم الخبيث عند بعض مرضى السرطان ومقارنتها بالشفرة الوراثية للأنسجة السليمة من تحديد الطفرات المسببة للسرطان في كل مريض على حدة ليعطى دواءً خاصاً به دون غيره. وهناك بعض الحالات التي تم شفاؤها بتلك الطريقة بعدما وصلت مراحل ميؤوسا منها.

وعليه عمدت بعض الدول إلى فك الشفرة الوراثية لمواطنيها أو لجزء منهم بهدف معرفة ماهية الأمراض التي تهدد مجتمعاتهم ثم تقديم النصائح التي ستخفف من انتشار تلك الأمراض والوقاية منها، بالإضافة إلى إعطاء أدوية معينة كل حسب سجله الوراثي.

قد يبدو الأمر رائعا للأجيال القادمة التي ستشهد انخفاضا في نسب انتشار العديد من الأمراض، ولكن ما يشغل بال العديدين هو الخوف من أن تصبح تلك المعلومات الخاصة جداً في متناول شركات التأمين التي قد تستخدمها لرفض تغطية علاج البعض لمعرفتها طبيعة مرضهم قبل إصابتهم، كما أن الخوف يكمن أيضا في حصول الأجهزة المخابراتية على تلك المعلومات بطرق شرعية أو غير شرعية حتى يصبح أغلى ما يملك المرء في متناول أيديهم يستغلونه كيفما يخططون.

قد يكون المستقبل واعدا ولكنه مخيف إلى حد بعيد، فلعلّ المرء أفضل حالا من غير الثورة التكنولوجية والطبية التي سلبته خصوصيته، أو لعله تعلم كيف يستغل تلك النعم دون أن يتصرف بطمع وأنانية لتعمّ الصحة على الجميع. لا شكّ في أن المستقبل القريب سيكون الشاهد على أي الطريقين سيسلك الإنسان رغم أن التاريخ والحاضر جعلا الإجابة واضحة وضوح الشمس.
________________
* بتصرف من مقال للكاتب بعنوان "شخصنة العلاج بين الأمل والخوف".

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي