هل تعالج طاقة "قانون الجذب" الأمراض؟

الادعاءات المذكورة في كتاب "السر" على الصعيد الصحي وغيره من الصعد ليست إلا  ترويجا للعلم الزائف (بيكسابي)
الادعاءات المذكورة في كتاب "السر" على الصعيد الصحي وغيره من الصعد ليست إلا ترويجا للعلم الزائف (بيكسابي)

شادي عبد الحافظ*

هل تريد خفض وزنك بلا جهد، الأمر سهل، عليك فقط أن تتخيّل أنك ذو وزن مثالي والتسليم بأن ذلك سوف يحدث، والأمر كذلك ينطبق على التعافي من السرطان أو الشلل.

هذا بعض ما تطرحه روندا بايرن في كتابها الأشهر "السر"، الذي صدر في 2006 مع فيلم بالعنوان نفسه، ومؤيدوها. وما زال هذا الكتاب إلى الآن واحدا من أكثر الكتب مبيعا، خاصة مع دفعة غاية في الأهمية تلقاها من أوبرا وينفري الإعلامية الشهيرة.

ويروج الكتاب لفكرة -لم تكن جديدة وقتها- تسمى بـ"قانون الجذب"، وتعني أن الأشياء المتشابهة تتجاذب، فحينما تملأ عقلك بأفكار سلبية لن تجذب سوى أشياء سلبية، والعكس صحيح، حينما تكون إيجابيا في أفكارك، فإنك تجذب أشياء موجبة تمتلئ بالخير والصحة في مضمونها.

وفي الفيلم تعرض بايرن شهادات لمرضى تعافوا باستخدام قانون الجذب. فهل هذا الكلام منطقي وصحي؟

في الحقيقة فإن الادعاءات المذكورة في كتاب "السر" على الصعيد الصحي، وغيره من الصعد، ليست إلا ترويجا للعلم الزائف، حيث لا يقع المؤلف فقط في خطأ إساءة استخدام، وليّ عنق، نظريات علمية في سبيل دعم فكرته، بل أيضا هو لا يفهم المعنى العلمي الحقيقي المقصود من جزئية ما ولا يهتم بالتعمق في فهمها فيخطئ في عرضها.

 

هراء باسم العلم
خذ -مثلا- ذلك الادعاء القائل في الكتاب إن "العلم قد أثبت أن المشاعر الإيجابية أقوى بكثير من المشاعر السلبية"، في الحقيقة لا نعرف أساسا واضحا لهذا الادعاء، ما نعرفه هو أن البحث العلمي في هذا النطاق يواجه أزمة في شرح أسباب أن الآثار النفسية أكثر عمقا للأحداث السلبية في حياتنا عن الإيجابية.

أضف إلى ذلك أن المشاعر السلبية أكثر تميزا من المشاعر الإيجابية، بمعنى أنها أكثر وضوحا، وبالتالي، نمتلك قدرة أكبر على التعبير عنها.

بل لو حاولنا تأمل اللغة الإنجليزية، مثلا، فسنجد أنه على الرغم من احتوائها على كلمات موجبة الطابع بصورة أكبر، فإنه حينما نتحدث عن المشاعر فإن الكلمات سلبية التوجه لها عدد أكبر، ولهذا السبب، مع مجموعة أخرى من الفرضيات، فإن البشر أكثر قابلية لتذكر الأحداث السلبية بمعدلات أكبر من الأحداث الإيجابية في حياتهم.

سوف تجد في الحقيقة الكثير من المناطق في كتاب "السر" التي تعتمد على تلك القفزة مما هو علمي لما هو محض هراء، خذ مثلا الحديث عن تأثير العلاج الوهمي (Placebo) الذي يعني أن بعض الحالات -في بعض الأمراض- قد واجهت تحسنا حينما أعطيناهم أدوية على أنها تعالج أمراضهم، فتحسّنت حالاتهم بدرجات، لكن تلك الأدوية لم تكن بالأصل سوى حبات سكر، أو ادعاء الكتاب أن "العلم يقول" إن الأفكار الموجبة تحسن حالة أصحابها، ثم بعد ذلك يقفز الكتاب من نقاط كتلك، نقاط لها عدد واسع من المحددات والمتغيرات والمحاذير والتي لم يذكرها أحد في الكتاب، إلى كيفية العلاج من الشلل!

وفي جزئه الأخير يشير الكتاب إلى أن مرضى السرطان لا يجب أن يتوقفوا عن العلاج لأن "السر" قد يأخذ بعض الوقت ليتحقق، ولكن هذا يتعارض ويتناقض تماما مع فكرة قانون الجذب التي تقول إن الأمر يحتاج تسليما تاما بأن الشفاء سوف يحدث، لكن ورود ذلك الجزء في الكتاب والوثائقي لم يكن إلا لتحاشي هجمات الأطباء والمؤسسات الرسمية على مؤلفيه بحيث قد يتسبب ذلك في إيقاف كل نشاطهم التجاري بأمر القانون.

نعم، نشاطهم التجاري، إن ما نتحدث عنه ما زال إلى اليوم تجارة رائجة بقيمة مليارات الدولارات، تجارة تتضمن كتبا وسيمينارات ومحاضرات في أرقى الفنادق، وماجستيرات مصغرة، وتمرينات المدربين، ومدربين المدربين، إلى آخر قائمة طويلة لا تنتهي، إنها تجارة تهيئ لك أنه يمكن خفض وزنك بلا جهد، فقط بتخيّل أنك ذو وزن مثالي والتسليم بأن ذلك سوف يحدث.

والكارثة هنا أنك حينما تعد مريضا بالاكتئاب -مثلا- أن جلسات الطاقة، أو قانون الجذب، أو البرمجة اللغوية العصبية تلك، سوف تزيل عنه مرضه، فأنت في المقابل تمنع عنه آليات علاج طبية حقيقية سوف تساعده حقا في التكيف مع حالته أو التخفيف من أثرها، ما بالك بمن ترك علاج السرطان، مثلا، وتوقف للبحث في عوالم الدجل عن أمل بعدما انكسر من طول المحاولة وألم العلاج، هؤلاء البائسون من كل مكان في العالم هم دائما ضحايا دجالي العلوم الزائفة.
_______________
بتصرف من تقرير للكاتب منشور على موقع ميدان بعنوان: هراء باسم العلم.. السر وراء كتاب "السر".

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية