الحل المهمل لأزمة مرض السل

رئة مصاب بالسل (دريمز تايم/لودميلا ستوزورفا)
رئة مصاب بالسل (دريمز تايم/لودميلا ستوزورفا)
من المخجل في عصر الابتكار التكنولوجي السريع أن يموت ما يقرب من مليوني شخص من مرض السل هذا العام، لأنهم فقراء للغاية ولا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج. والواقع أن سبب استمرار مرض السل في التسبب في وفاة البشر هو بكل بساطة: اللامبالاة.

وتنبع هذه اللامبالاة من الوهم القاتل بأن السل مرض من الماضي، وهو الوهم الذي استمر حتى عندما أصيب به 10.4 ملايين شخص في عام 2016.

ومرضى السل عاجزون عموما عن مطالبة العالم بالاهتمام بهم، وعلى الرغم من أن المرض يمكن أن يصيب أي شخص، فإنه يصيب بشكل غير متناسب الفئات المهمشة والضعيفة في أماكن مثل مخيمات اللاجئين والأحياء الفقيرة والسجون.

ويوجد وهم آخر هو أن لدينا علاجات كثيرة لمكافحة السل حتى مع استمرارها في التحور، وفي المقابل يشكل السل المقاوم للأدوية المتعددة تهديدا خطيرا حيث يطلق عليه أحيانا اسم "الإيبولا بالأجنحة".

ويشمل العلاج الحالي لمرض السل المقاوم للأدوية المتعدّدة نظاما من الأدوية السامة، يتطلب بعضها حقنة يومية مؤلمة يمكن أن تستمر لمدة تصل إلى سنتين.

ونادرا ما تطورت خيارات علاج مرض السل منذ عقود، وفي حين أن أساليب البحث والتطوير لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب "الإيدز" والتهاب الكبد الفيروسي "سي" تواصل تحقيق النتائج، فإن أساليب البحث والتطوير الخاص بعلاج السل تتخلف كثيرا عن الركب.

ولكن هذه ليست القصة كلها، ففي السنوات الأربع الأخيرة كان ينبغي عمل ثورة في الرعاية المتعلقة بمرض السل، فبعد مرور خمسين عاما دون تطوير أي دواء جديد للسل، تمت الموافقة على اثنين من الأدوية، وهما: دواء البيداكويلين ودواء دلامانيد بشكل سريع، حيث كان ينبغي أن تكون هذه اللحظة تاريخية في مكافحة مرض السل، خاصة للمرضى المقاومين للأدوية.

وكان يمكن للمرء أن يتوقع ائتلافا واسعا يضم السلطات الصحية ومقدمي الرعاية الصحية وهيئات وضع المعايير وشركات التأمين والمصنعين، للإسراع في مساعدة المرضى الأكثر احتياجا لهذه الأدوية الجديدة؛ ولكن لم تظهر مثل هذه الاستجابة.

وبدلا من ذلك، فقد بقيت تلك الأدوية يعلوها الغبار في المستودعات، علما بأنها منذ اعتمادها للاستخدام استفاد منها 5% من المرضى المحتاجين لها.

بكتيريا السل تحت المجهر (غيتي)

أرقام مروعة
وآخر الأرقام عن دواء دلامانيد -على وجه الخصوص- هي أرقام مروعة، إذ بعد أربع سنوات تم علاج 1247 مريضا فقط في جميع أنحاء العالم باستخدامه.

نحن على دراية بتلك الحقائق لأن العديد من هؤلاء المرضى تم علاجهم في برامجنا، وفي البلدان التي تعمل منظمة "أطباء بلا حدود" ومؤسسة "شركاء الصحة" فيها على تسجيل الأدوية الجديدة واستيعابها، وبدعم من شركة "يونيتيد" -التي تقدم التمويل من ضرائب شركات الطيران لمعالجة المشاكل الصحية المهملة التي تصيب الفقراء- أطلقنا مبادرة للقضاء على مرض السل لتسريع استخدام الأدوية الجديدة في 17 بلدا تواجه وباء السل.

ومن المؤسف أنه يتعين على المنظمات غير الحكومية -بدلا من الحكومات والمؤسسات الأكاديمية وشركات الأدوية- أن تضغط من أجل استخدام الأدوية الجديدة المتاحة.

ولقد تحركنا لأن برامج مكافحة السل الوطنية التي تعاني من ضائقة مالية تميل إلى أن تكون متحفظة بشأن اعتماد علاجات جديدة، ولأن صانعي المستحضرات الصيدلية ليس لديهم الحافز الكافي لنقل أدويتهم إلى الأسواق في البلدان الفقيرة.

وتشير الأدلة التي جمعناها حتى الآن إلى أنه عندما يتم استخدام العقاقير الجديدة، يكون مرضى السل الذين يصعب علاجهم أكثر قابلية للشفاء وبسرعة أكبر.

وبالنظر إلى حجم أزمة السل العالمية، فإن عمل مبادرة القضاء على مرض السل هو مجرد نقطة في بحر، إلا أنها تقدم لمحة عن الاستجابة الفاشلة بشكل عام كالافتقار المروع للإرادة السياسية والخيال والاستعجال، وهو ما يترك الملايين يموتون ونحن ننظر إليهم.

و سوف تستضيف الأمم المتحدة في شهر سبتمبر/أيلول القادم أول اجتماع رفيع المستوى بشأن أزمة مرض السل، ويجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تستغل المناسبة لتتعهد بزيادة جذرية في تمويل برامج مكافحة السل في جميع أنحاء العالم وإصلاح أساليب البحث والتطوير التي ثبت فشلها.

وبخلاف ذلك، سوف يتم تذكر الحدث على أنه تجمع آخر لا معنى له، وهو الحدث الذي ترك عشرات الملايين يعانون بسبب العدوى الأكثر فتكا في العالم.

الوضع الملح لأزمة مرض السل معروف جيدا للخبراء الطبيين (أسوشيتد برس)

طرق أبسط
وعلى وجه التحديد، ما نحتاج إليه هو طرق أبسط وأسرع وأرخص لاختبار مرض السل وعلاجه، خاصة في الأماكن النائية والفقيرة. ونحن بحاجة إلى أدوات أفضل لمنع العدوى في المقام الأول ولقتل العدوى الكامنة قبل أن تقتلنا، كما نحتاج بالطبع إلى مجموعة قوية من الأدوية لتفادي مرض السل وأشكاله المقاومة.

وفي هذه الأثناء يجب على حكومات البلدان التي تعاني من السل أن تستخدم الأدوات التي لديها بالفعل، على سبيل المثال من خلال بذل المزيد من الجهد لضمان توفير علاجات جديدة -مثل دواء البيداكويلين ودواء دلامانيد- لأولئك الذين يحتاجون إليها.

يعد اجتماع الأمم المتحدة فرصة ذهبية لتحقيق التقدم، وعلى الرغم من أنه لن يحل أزمة السل بين عشية وضحاها، فإنه يعد فرصة للارتقاء بمرض السل إلى الوضع الذي حددته منظمة الصحة العالمية "لحالة الطوارئ الصحية العامة ذات الاهتمام الدولي"، كما حدث في أعقاب تفشي إيبولا وزيكا.

إن الوضع الملح لأزمة مرض السل معروف جيدا للخبراء الطبيين، وبالتأكيد للمرضى وعائلاتهم، علما بأن العلاجات التقليدية قد فشلت وملايين البشر يصابون بالمرض. وفي القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون ذلك عارا علينا جميعا.
________________
*جوان ليو: الرئيسة الدولية لمنظمة "أطباء بلا حدود".
بول فارمر: المؤسس المشارك لمؤسسة "شركاء في الصحة"، أستاذ الصحة العالمية والطب الاجتماعي بكلية الطب بجامعة هارفارد، رئيس شعبة العدالة الصحية العالمية في مستشفى بريغهام ومستشفى النساء.

المصدر : بروجيكت سينديكيت