هل تتحول مستشفيات قطاع غزة لمقابر؟

قسم غسيل الكلى في مستشفى الرنتيسي (الجزيرة)
قسم غسيل الكلى في مستشفى الرنتيسي (الجزيرة)

أحمد عبد العال-غزة

يستلقي الطفل عبد الرحمن برهوم جثة هامدة على سريره في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي بمدينة غزة، ولا يجد إلا الأنين للتعبير عن ألم شديد يسري في أنحاء جسده المنهك أثناء عملية غسيل الكلى.

وما إن تنتهي عملية "الغسيل" التي يجريها برهوم (14 عاماً) المصاب بفشل كلوي، حتى يهمس بصوت خافت يختفي خلف ضجيج الأجهزة الطبية، مناديا والده "يلا يا بابا خلصت خلصت.. نادي عمو يفك البربيش (الأنبوب)" ليحضر الممرض ويفك الأنابيب التي تخترق ذراعيه الضعيفين وتتصل بجهاز غسيل الكلى.

ويمتزج وجع الطفل برهوم بمعاناة والده عيسى برهوم، فهو يضطر لأن يأتي بطفله من مدينة رفح، أقصى جنوب قطاع غزة، إلى مدينة غزة ثلاث مرات أسبوعيا لإجراء عملية غسيل الكلى، الأمر الذي ينهكه نفسيا وماديا.

وبرهوم أحد الموظفين الذين عينوا في ظل حكومة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) (2007-2017)، ويتقاضى راتبا غير كامل وغير منتظم لا يتجاوز 1200 شيكل (350 دولارا).

ويحتاج برهوم شهريا مبلغ 500 شيكل (150 دولارا) لإنفاقها من أجل لإيصال ابنه للمستشفى لإجراء عملية غسيل الكلى، عوضاً عن أجرة البيت التي تزيد عن 150 دولارا شهريا، إضافة لاحتياجات عائلته الأساسية، وهو ما لا يستطيع تلبيته.

وبينما يتابع والد الطفل برهوم بقلق الأخبار عن استمرار أزمة نقص الدواء الحاد في غزة، وتوقف بعض المستشفيات بسبب أزمة نقص الوقود، يقول للجزيرة نت بألم "لا أستطيع توفير الطعام الخاص لابني وتوفير رعاية خاصة به، وإذا توقفت الكهرباء عن هذا القسم لمدة يوم واحد فإن الأطفال هنا معرضون لخطر تدهور صحتهم وقد يتعرض بعضهم للموت، فبعضهم لا يحتمل مرور ثلاثة أيام دون أن يغسل الكلى".

‪توقف الكهرباء عن قسم غسيل الكلى سيؤدي لكارثة حقيقية ويودي بحياة عشرات الأطفال‬ (الجزيرة)

نقص الوقود
ودفعت أزمة نقص الوقود، والاستنزاف المستمر في الوقود المتبقي في المرافق الصحية بقطاع غزة، لجنة إدارة الأزمة في وزارة الصحة لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية لإطالة أمد عدد من خدماتها الصحية الحساسة.

ويخشى مدير "مستشفى الرنتيسي" محمد أبو سلمية تحوّل مستشفيات قطاع غزة إلى مقابر إذا ما استمرت أزمة نقص الوقود الخاص بمولدات تشغيل الكهرباء في المستشفيات.

ولا يستبعد أبو سلمية في حديث للجزيرة نت، حدوث كارثة إنسانية وبيئية في ظل استمرار أزمة الكهرباء وأزمة وقود مولدات المستشفيات، فبعض الأقسام الحيوية مثل قسم غسيل الكلى لا يمكن أن تتوقف عنه الكهرباء للحظة واحدة، وكذلك العناية المكثفة وحضانات الأطفال، خاصة أن الأطفال يكونون متصلين بأجهزة تنفس صناعي لا يجب أن تتوقف لثوان معدودة.

واضطر مستشفى بيت حانون (شمالي قطاع غزة) الذي يقدّم الخدمات الصحية لقرابة 55 ألف نسمة، ومستشفى "الدرة" (شرقي مدينة غزة) لتوقيف تقديم الخدمات الصحية لعدم توفر الوقود اللازم لتشغيلهما مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي، والذي يستمر لأكثر من 16 ساعة يوميا.

وتهدد أزمة الوقود، بحسب الناطق باسم وزارة الصحة أشرف القدرة، بتوقف المزيد من المستشفيات والمرافق الصحية خلال الأيام المقبلة، فهناك قرابة مئة مريض في العناية المكثفة، و113 طفلا خداجا في حاضنات الأطفال، ومئات وحدات الدم التي تحتاج لتبريد خاص، وتطعيمات للأطفال، ومئات الأصناف من الأدوية المثلجة التي تحتاج لتبريد خاص.

وبالتزامن مع أزمة الوقود، تعاني وزارة الصحة من أزمة خانقة في الرصيد الدوائي، فـ230 صنفا من الأدوية الحساسة والأساسية غير متوفرة في المستشفيات والمرافق الصحية، و30% من المستهلكات الطبية الأساسية غير متوفرة، و58% من لوازم المختبرات وبنوك الدم غير متوفرة، وفق الناطق باسم الصحة.

‪قسم العناية المكثفة في مستشفى الرنتيسي‬ (الجزيرة)

أوضاع كارثية
ويرجو أشرف القدرة، الذي تحدث للجزيرة نت، أن تسارع الجهات الحكومية والدولية لمعاجلة هذه الأوضاع الكارثية وحلها على وجه السرعة.

ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية جيرالد روكينشاوب هو الآخر وصف الإجراءات التي اتخذتها وزارة الصحة في غزة بالصعبة والمؤلمة، لكنه يعتبرها ضرورية للحفاظ على أرواح الناس لحين إيجاد حل للأوضاع الصعبة.

ولا تتوقف حركة حماس عن تحميل الحكومة الفلسطينية المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع بالقطاع، فهي تعتقد أن الحكومة "تتجاهل احتياجات مستشفيات غزة من الوقود والدواء مما يسهم في ضرب مقومات صمود أهالي قطاع غزة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة