قصة الجدري

رسم توضيحي لفيروس الجدري (دريمز تايم/ نغويت)
رسم توضيحي لفيروس الجدري (دريمز تايم/ نغويت)

عبد الرؤوف علي المناعمة*

يعد الجدري (Smallpox)  من بين أكثر الأمراض فتكا بالبشرية على الإطلاق، فقد غيّر هذا المرض مسار التاريخ البشري بشكل كبير، وأسهم في تدهور وتدمير الحضارات.

اشتُقَّ اسمه من الكلمة اليونانية التي تعني "تبقع" في إشارة إلى النُّتوءات البثرية التي تبرز على وجه وجسم الشخص المصاب. وقد تسبب هذا المرض في قتل نحو 30% من الأشخاص الذين أصيبوا به عبر التاريخ. أما الناجون فقد رافقهم العمى، وندوب عميقة جداً، وعلامات على الجلد، إضافة إلى تشوهات أخرى، مثل فقدان الشفاه والأنف وأنسجة الأذن.

إن تاريخ الجدري لافت للنظر، ليس فقط بسبب الدمار المذهل الذي ألحقه بالحضارات البشرية، ولكن أيضا للإنجازات المذهلة للطب الحديث في مكافحتِه، والتي استطاعت القضاء على هذا الوباء عبر الجهود المتضافرة للتطعيم العالمي.

ويُعتقد أن الجُدري نشأ في الهند أو مصر قبل 3000 عام على الأقل، وذلك بعد العثور على مومياء مصرية مصابة به، وهي مومياء الفرعون رمسيس الخامس الذي توفي عام 1157 قبل الميلاد، فقد أظهرت بقاياه المحنطة بعض النتوءات البثرية على جلده.

وانتشر المرض في وقت لاحق على طول طرق التجارة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، فقد تم توثيق أوصاف لا لُبس فيها لهذا المرض في الصين خلال القرن الرابع، وفي الهند ومنطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع الميلادي، فضلا عن جنوب غرب آسيا خلال القرن العاشر.

وتشير التقديرات إلى أن الجدري دخل أوروبا بين القرنين الخامس والسابع مع انتشار الأوبئة خلال العصور الوسطى. وأدخل المستعمرون الأوروبيون الجدري إلى الأميركيتين (وأيضا أفريقيا وأستراليا) بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، مع معدلات إصابة بلغت 90%. ويعتقد عموما أن الجدري كان السبب وراء سقوط إمبراطوريات الأزتيك والإنكا.

بدأت المعركة ضد الجدري باتباع طريقةٍ تُعرف بالتجذير، وتتمثل في فرك المواد المعدية من المرضى المصابين بالجدري في خدوش سطحية يتم إحداثها في جلد الشخص المراد تحصينه

500 مليون
وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، أصبح الشكل الأكثر اعتدالاً والأقل فتكاً للجذري والمعروف أيضا باسم الجدري الصغير أو الجدري غير الخطير (variola minor) واضحاً في الولايات المتحدة. وقد تم التعرف على هذا الشكل من الفيروس في كل من البرازيل وإثيوبيا والصومال خلال السبعينيات. وخلال القرن العشرين، تشير التقديرات إلى أنه كان هناك 300 إلى 500 مليون حالة وفاة بسبب الجدري في جميع أنحاء العالم، مقارنة ب 100 مليون بسبب مرض السل.

بدأت المعركة ضد الجدري باتباع طريقةٍ تُعرف بالتجذير (Variolation)، وتتمثل في فرك المواد المعدية من المرضى المصابين بالجدري في خدوش سطحية يتم إحداثها في جلد الشخص المراد تحصينه.

وقد قامت كاتبة الرسائل والشاعرة الإنجليزية ماري وورتلي مونتاغيو بجلب هذه الطريقة من تركيا إلى إنجلترا عام 1721. وتم اعتمادها في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، وبحلول نهاية القرن أصبحت طريقة التجذير مقبولة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم؛ باعتبارها وسيلة فعالة لمنع الجدري من الانتشار وتطويقِه.

وفي عام 1796 اتخذ مسار المعركة ضد المرض طريقاً مختلفاً؛ عندما استخدم الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر فيروس جدري البقر (cowpox) من أجل التحصين ضد الجدري. وقد تسبب هذا الفيروس في عدوى خفيفة بين البشر، إلا أنه حفّز استجابة مناعية وفّرت حماية خلطية (cross-protection) ضد الجدري.

وقد مهَّدَ اكتشاف جينر الطريق لبرامج التحصين اللاحقة نظرا لعدم وجود علاج فعال للجذري. وقد انتشرتْ هذه التقنية الجديدة سريعا في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. وبعد فترة تم استبدال فيروس جدري البقر بفيروس مشابه له يعرف باسم "وقس" (vaccinia). وأدى النجاح في استخدام لقاح الجدري إلى انخفاض تدريجي في حالاته.

وكانت آخر حالة للجدري في الولايات المتحدة عام 1949. وبعد حملات التطعيم المكثفة في الستينيات والسبعينيات، حدثت آخر حالة للجدري في العالم عام 1977، وكانت في الصومال. وفي العام 1980 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن العالَم أصبح خاليا تماما من الجدري. وبهذا يكون الجدري أوّل مرضٍ ينتصر عليه البشر.

في 1796 اتخذ مسار المعركة ضد الجدري طريقاً مختلفاً عندما استخدم الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر فيروس جدري البقر من أجل التحصين ضد الجدري. وقد تسبب هذا الفيروس في عدوى خفيفة بين البشر، إلا أنه حفّز استجابة مناعية وفّرت حماية ضد الجدري

الأعراض
عادة ما تظهر الأعراض العامة للجدري بعد 12-14 يوما من الإصابة، وتكون أعراضا شبيهة بأعراض الإنفلونزا وتشمل الحمى، عدم الراحة بشكل عام، الصداع، التعب الشديد، آلام الظهر الشديدة، والتقيؤ.

وبعد بضعة أيام، تظهر البقع الحمراء المسطحة أولا على الوجه واليدين والساعدين، وبعد ذلك على الجذع. وفي غضون يوم أو يومين، يتحول العديد من هذه البقع إلى بثور صغيرة مليئة بسوائل شفافة، تتحول فيما بعد إلى قيح. تبدأ قشور الجروح (Scabs) في التكون بعد ثمانية إلى تسعة أيام، ثم تسقط في نهاية المطاف تاركة وراءها ندوبا عميقة.

العامل المسبب للجدري
يتسبب فيروس الجدري الذي يسمى أيضا "فاريولا" (Variola) في حدوث مرض الجدري، وهو فيروس كبير نسبيا (من أكبر الفيروسات حجما) يحتوي على الحمض النووي (DNA)، ويمكن العثور عليه بأعداد كبيرة في العديد من أجهزة الأشخاص المصابين (الجلد والكلى والطحال والكبد وغيرها)، وعادة ما يكون تسمم الدم هو السبب في حدوث الوفاة.

وهناك سلالتان مختلفتان للجدري، وهما الجدري الرئيسي أو الخطير (Variola Major)، والجدري الصغير أو غير الخطير (Variola Minor). وكما تشير الأسماء، فإن الجدري الرئيسي هو الشكل الفتاك والأكثر خطورة، بينما يمثل الجدري الصغير الصورة الأقل خطورة.

كيف ينتقل؟
تحدث عدوى فيروس الجدري فقط بين البشر، وأحد أهم الأسباب التي أكسبت الجدري خطورته أنه مرض ينتقل عبر الهواء (Airborne disease)، وعادة ما يميل هذا النوع من الأمراض إلى الانتشار بسرعة كبيرة. فالسعال، والعطس، أو الاتصال المباشر مع أي سوائل جسدية يمكنها أن تنشر فيروس الجدري.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مشاركة الملابس الملوثة أو الفراش يمكن أن يساهم في نقل العدوى. ورغم طويِ مرض الجدري أرشيف التاريخ، فإن هاجسه قد يعود ليطاردنا من جديد على شكل أسلحة بيولوجية (Biological weapons)، فإطلاق هذا الفيروس سينشر المرض بصورة سريعة جداً، خاصة أن برامج التطعيم الحالية لا تتضمن لقاحاً ضد هذا الفيروس.

ولا يُوجد علاج للجدري. وفي حالة الإصابة، كان العلاج يركز على تخفيف الأعراض ومنع حدوث الجفاف للمريض. وقد توصف بعض المضادات الحيوية إذا ما تطورت لدى الشخص المريض عدوى بكتيرية ثانوية في الرئتين أو على الجلد.

ويمكن الوقاية من الجدري من خلال اللقاح، فإذا تم الحصول على اللقاح قبل الاتصال بالفيروس، يكون بمقدور اللقاح حماية الشخص ضد المرض. وفي حالة تفشي المرض، وفي محاولة للسيطرة على انتشار الفيروس، يجب عزل الأشخاص المصابين.

ويجب على الأشخاص الذين كان لديهم اتصال مع شخص طور العدوى، أن يحصلوا على لقاح الجدري الذي يمكن أن يمنع أو يقلل من خطورة المرض إذا تم الحصول عليه في غضون أربعة أيام من التعرض للفيروس. أما إذا تطور المرض لدى الشخص فلن يكون باستطاعة اللقاح توفير أي حماية.

تجدر الإشارة إلى أن اللقاح ضد الجدري غير متوفر في الوقت الراهن لعامة الناس، وذلك بسبب النجاح في القضاء التام على المرض ولانعدام وجود الفيروس. ومع ذلك، هناك مخزون كاف لتطعيم الأشخاص إذا ما حدث تفشٍّ للمرض مجددا.
______________
* بتصرف عن مقال "ميكروبات صَنَعتْ لها مكاناً في التاريخ.. الجدري" للكاتب، وهو محاضر بالجامعة الإسلامية في غزة.

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي

حول هذه القصة

توصل باحثون أميركيون إلى إنتاج لقاح جديد ضد الجدري لا يؤدي لأعراض جانبية خطيرة مثل المصل المستخدم حاليا. وقال الباحثون إن اللقاح وفر حماية لقردة ضد فيروس له علاقة بالجدري ونتجت عنه استجابة مناعية قوية.

قدم علماء من هونغ كونغ والولايات المتحدة لقاحا تجريبيا للوقاية من فيروس (إتش5 إن1) المسبب لإنفلونزا الطيور، والحد من انتقاله بين البشر مستعينين بلقاح الجدري الذي اختبر جيدا وحق نجاحا كبيرا.

أكدت المنظمة العالمية لصحة الحيوان أن معامل كثيرة جدا لا تزال تحتفظ بعينات من مرض طاعون الماشية القاتل بعد عامين من القضاء عليه، وهو ثاني مرض يقضى عليه بعد الجدري.

أوصت مجلة “الطب اليوم” الألمانية آباء الأطفال المصابين بجدري الماء بأن يحرصوا على تقليم أظافرهم وقصها قدر المستطاع، كي لا يقوم الطفل بخدش البثور أو القشور التي تظهر على جلده بأظافره لتخفيف شعوره بالحكة.

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة