علاج السكري باستخدام الخلايا الجذعية

وينتج هذا الخلل عن نقص الإنسولين بسبب خسارة خلايا "بيتا" في البنكرياس، والتي تعد المصدر الرئيس لإنتاجه، ويعتبر مرض السكري من أكثر الأمراض انتشارا في المجتمع القطري، ولذلك تعتبر دراسته على رأس أولويات معهد قطر لبحوث الطب الحيوي التابع لجامعة حمد بن خليفة انطلاقا من دوره بوصفه مؤسسة وطنية تهدف إلى المساهمة في حل المشاكل الصحية الأساسية للمواطن القطري.

وتنطوي أبحاثنا على دراسة العوامل الوراثية والبيئية التي تؤدي للإصابة بمرض السكري، وتحديد المؤشرات البيولوجية التي قد تساعد في التشخيص المبكر للمرض، كما تهدف هذه الأبحاث إلى توظيف أحدث التقنيات بغية الوصول إلى علاجات جديدة ومبتكرة لهذا المرض.

ويعتبر استخدام الخلايا الجذعية من أهم التقنيات الحديثة التي قد تساعد في فهم الأسباب الوراثية لهذا المرض، وبالتالي إيجاد بدائل علاجية مستدامة مثل إنتاج خلايا مفرزة للإنسولين.

وهناك نوعان من الخلايا الجذعية التي يمكن استخدامها لعلاج مرض السكري في المستقبل، وهما الخلايا الجذعية الجنينية، والخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات، وتتميز هذه الخلايا بدورها المهم في تكوين كافة أنواع الخلايا في الجسم، ولذلك يمكن استخدامها لإنتاج خلايا بديلة لتلك المفقودة في حالة مرض السكري.

ونحن في معهد قطر لبحوث الطب الحيوي نركز على استخدام هذين النوعين من الخلايا الجذعية في مختبراتنا المجهزة بأحدث التقنيات على أمل أن نحقق هدفين رئيسيين.

 فهم الخلل الوراثي وراء الإصابة بالسكري
هدفنا الأول هو استخدام الخلايا الجذعية لفهم الخلل الوراثي الذي يؤدي للإصابة بمرض السكري، والذي نسعى لتحقيقه من خلال أخذ عينات دم من بعض المرضى في دولة قطر، ثم نقوم بفصل خلايا الدم ومعالجتها معمليا لإنتاج خلايا جذعية محفزة ذات قدرة على إنتاج عدد لا محدود من الخلايا الجذعية التي تحمل بدورها نفس البصمة الوراثية للمريض.

وبعد ذلك، نقوم بتحويل الخلايا الجذعية إلى خلايا بنكرياس تحمل نفس الشفرة الوراثية للمريض، ونجري تجارب بيولوجية على هذه الخلايا لتحديد الخلل الجيني الوراثي الذي قد يكون السبب في حدوث المرض، وأخيرا ندرس السبل المتاحة لتصحيح هذا الخلل بيولوجيا.

وقد أنتجنا بالفعل في معهد قطر لبحوث الطب الحيوي أول خلايا جذعية متعددة القدرات من المصابين بمرض السكري في دولة قطر، وهي الخلايا الأولى من نوعها التي تحمل الشفرات الوراثية لمرضى السكري في المنطقة العربية.

كما أننا ننفذ مشروعين بحثيين بتمويل من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي نركز فيهما على استخدام الخلايا الجذعية لفهم الأسباب الوراثية لمقاومة الإنسولين في بعض أنسجة الجسم قبل حدوث مرض السكري بما يصل إلى عشر سنوات أو أكثر.

وفي سياق هذين المشروعين نأخذ عينات دم من أشخاص يتمتعون بمقاومة وراثية للإنسولين في الأنسجة، مثل الأنسجة العضلية، والدهنية، والكبدية قبل إصابتهم بمرض السكري، ثم نقوم بإنتاج خلايا جذعية تحمل نفس بصمتهم الوراثية، ونحولها إلى خلايا عضلية، ودهنية، وكبدية لدراستها معمليا وتحديد العوامل الوراثية المرتبطة بمقاومة الإنسولين فيها.

أما الخطوة التالية فتتمثل في تصحيح هذه العوامل للوصول إلى علاجات محتملة تساعد على منع حدوث مقاومة الإنسولين في الأنسجة، وبالتالي الوقاية من مرض السكري في المستقبل، وتتم هذه المشاريع البحثية بالتعاون مع مؤسسة حمد الطبية وكلية طب وايل كورنيل في قطر.

 

إنتاج خلايا مفرزة للإنسولين
يكمن الهدف الثاني لأبحاثنا في إنتاج خلايا بنكرياس تفرز الإنسولين، حيث إن إنتاج خلايا مفرزة للإنسولين بكفاءة عالية وبكميات كبيرة هو من أهم التحديات التي تواجه الباحثين في مجال الخلايا الجذعية على مستوى العالم، ولذلك فقد أطلقنا مشروعا بحثيا ممولا من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي يركز على استخدام الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا بنكرياس مفرزة للإنسولين معمليا بكميات كبيرة وبكفاءة عالية، وذلك بمشاركة من طلاب الدراسات العليا المتدربين في جامعة حمد بن خليفة بدرجتي الدكتوراه والماجستير.

ونهدف من هذا المشروع إلى أن نساهم مع مراكز البحوث العالمية في إيجاد حلول لإنتاج خلايا مفرزة للإنسولين معمليا بكفاءة عالية لاستخدامها مستقبليا لتحل محل خلايا البنكرياس المصابة ولاكتشاف علاجات جديدة، ويسعى معهد قطر لبحوث الطب الحيوي في الفترة القادمة إلى التعاون مع كبرى الجامعات والمعاهد العلمية العالمية للقيام بأبحاث مشتركة في هذا المجال.

ولا يخفى على أحد أن هناك تطورا سريعا جدا على المستوى العالمي في هذا المجال، ويتم التوصل إلى نتائج حديثة ومبشرة بشكل كبير، حيث تم إنتاج خلايا مفرزة للإنسولين معمليا تشبه الخلايا الطبيعية من خلايا جذعية.

ولكن لا تزال هناك خطوات بحثية مهمة يجب القيام بها لإنتاج خلايا مفرزة للإنسولين معمليا بكميات كبيرة وبكفاءة عالية قادرة على الاستجابة السريعة لارتفاع مستويات السكر في الدم، والتأكد من فاعلية هذه الخلايا وعدم تسببها بأي أعراض جانبية للمريض.

وحتى الآن لم تتم الموافقة على استخدام خلايا البنكرياس المفرزة للإنسولين من خلايا جذعية في العلاجات إلا أن هيئة الغذاء والدواء الأميركية وافقت في عام 2014 على السماح لشركة فياسيت الأميركية (ViaCyte) بإجراء تجارب على مرضى سكري من النوع الأول وحقنهم بخلايا بنكرياس منتجة من خلايا جذعية جنينية.

وفي هذه التجارب يتم حقن خلايا البنكرياس المنتجة من خلايا جذعية ضمن كبسولات دقيقة جدا تحت جلد مرضى السكري، وتستخدم الكبسولات لحماية الخلايا المفرزة للإنسولين من الخلايا المناعية للمريض، حيث إنها تسمح بمرور الإنسولين إلى الدم ولا تسمح بدخول الخلايا المناعية إلى داخلها.

وتمت تجربة هذه الخلايا على بعض المرضى في عام 2015 إلا أنها لم تعط الاستجابة المرجوة، ولذلك تم مؤخرا تطوير نوعية الكبسولات المستخدمة، وتم حقن مرضى آخرين في عام 2017، ونحن ننتظر الإعلان عن نتائج هذه التجارب.

 مزاعم علاجية زائفة
وعلى صعيد آخر، هناك مستشفيات ومراكز صحية في بعض الدول الأوروبية والآسيوية تدعي أنها تعالج مرضى السكري باستخدام أنواع مختلفة من الخلايا الجذعية، وهذا الادعاء باطل تماما وعارٍ من الصحة، إذ تعمل هذه المراكز فقط في الدول التي تفتقر إلى قوانين صارمة إزاء استخدام الخلايا الجذعية في العلاج، ويتم في هذه المراكز حقن المرضى ببعض أنواع الخلايا الجذعية التي قد لا تسبب أعراضا جانبية خطيرة، ولكنها بكل تأكيد لا تعالج مرض السكري.

ولذلك يجب على المرضى توخي الحذر عند اللجوء إلى المراكز والمستشفيات التي تدعي قدرتها على علاج مرض السكري باستخدام الخلايا الجذعية، فحتى يومنا هذا لم يتم التصريح باستخدام أي نوع من أنواع الخلايا الجذعية لعلاج مرض السكري عالميا، ولكننا قد نشهد في السنوات القليلة القادمة ظهور علاجات فعالة تعتمد على الخلايا الجذعية.
_______________
* عالم في مركز بحوث السكري بمعهد قطر لبحوث الطب الحيوي في جامعة حمد بن خليفة. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما أنواع السكري؟ وكيف يشخص؟ وكيف تكون الوقاية منه؟ أجابت عن هذه الأسئلة وغيرها عيادة الجزيرة في حلقة وصل عدد متابعيها إلى ربع مليون.

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة