دور العواطف بتكوين الأحكام الأخلاقية

مازن النجار
كشفت دراسة جديدة لعلماء الأعصاب أن قدرة البشر على الاستجابة المناسبة لمحاولة الإضرار بهم، مثل الغضب تجاه الجاني أو إدانته أخلاقيا، متركزة بالمنطقة المرتبطة بتنظيم العواطف في الدماغ.
 
فالمعلوم أن المرضى الذين وقع لهم عطب بمنطقة الدماغ المسماة "قشرة الفص الجبهي البطني الوسطي" (VMPC)، لا يستطيعون استحضار استجابة عاطفية طبيعية لمواقف افتراضية يحاول فيها شخص ما قتل شخص آخر، لكنه يفشل في المحاولة.
 
لذلك، فهم يحكمون على الوضع بناء على نتائجه أو محصلته، ولا يحملون محاولة القتل مسؤولية أخلاقية.
 
أجرى الدراسة فريق من علماء الأعصاب بمعهد تكنولوجيا ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأميركية، ونشرت حصيلتها مؤخرا بالدورية المتخصصة "نيورون"، أي الخلية العصبية.
 
تقول مؤلفة الدراسة والباحثة بقسم الدماغ وعلوم الإدراك بالمعهد ليان يونغ إن هذا الاكتشاف يضيف قطعة جديدة إلى "لغز" كيفية تكوين العقل البشري لقناعاته وأحكامه الأخلاقية.
 
وتضيف أنها وزملاءها بصدد تشريح بنية تكوين القناعات الأخلاقية في الدماغ، رغم أنهم ليسوا أول من أظهر أن العواطف هامة للقناعات الأخلاقية، لكن دراستهم قدمت نظرة أكثر دقة للمسألة.
 
عدم التطابق
بالتعاون مع باحثين من جامعة جنوب كاليفورنيا بقيادة أنطونيو داماسيو، درست يونغ حالات تسعة مرضى لديهم عطب في "قشرة الفص الجبهي البطني الوسطي"، وهي منطقة بالدماغ في حجم البرقوقة، وموقعها خلف وفوق العينين. وقد أصابها العطب في الحالات التسع بسبب الأورام الخبيثة أو تمدد الأوعية الدموية.
 
وبحسب الدكتورة يونغ، يجد هؤلاء المرضى وأمثالهم صعوبة في معالجة أو تكوين العواطف الاجتماعية، مثل التعاطف أو الإحراج، لكنهم يحتفظون بقدرة سليمة تماما على التفكير المنطقي والقيام بمختلف الوظائف الإدراكية.
 
قدم الباحثون للمرضى المشاركين في الدراسة سلسلة من 24 سيناريو افتراضيا مختلفا، وطلبوا منهم استجاباتهم لها أو ردود أفعالهم عليها.
 
وكانت السيناريوهات الأكثر إثارة لاهتمام الباحثين تلك التي تظهر عدم التطابق بين نوايا الشخص ومحصلة عمله، وهي إما محاولات إضرار فاشلة أو إضرار عرضي غير مقصود.
 
ولدى مواجهتهم بسيناريوهات محاولات إضرار فاشلة، لم يكن لدى المرضى مشكلة في فهم النوايا العدوانية للمتورطين في المحاولات، لكنهم أخفقوا في تحميلهم مسؤولية أخلاقية.
 
بل إن هؤلاء المرضى قد أبدوا حكما أخلاقيا نحو محاولات الإضرار الفاشلة أكثر تسامحاً من حكمهم على الإضرار العرضي غير المقصود، مثل تسميم شخص ما عرضيا، وهو موقف مضاد لنمط التفكير السائد بين الراشدين العاديين.
 
عمليتان إدراكيتان
تقول يونغ إن هؤلاء المرضى يستطيعون معالجة أو استيعاب ما يدور بخلد الناس ونواياهم، لكنم لا يستجيبون عاطفيا بشكل طبيعي لتلك المعلومات. إذ يمكن أن يقرؤوا مثلا عن محاولة قتل فاشلة لكنهم يتسامحون معها أخلاقيا لأنها لم تسبب ضررا لأحد.
 
هذا يدعم المفهوم القائل بأن تكوين الأحكام الأخلاقية يتطلب بالضرورة حدوث عمليتين (إدراكيتين) على الأقل هما: تقييم منطقي للنوايا، ورد فعل عاطفي أو استجابة عاطفية لها.
 
كذلك تدعم نتائج الدراسة النظرية القائلة بأن موقع المكون العاطفي للإنسان في الدماغ هو "قشرة الفص الجبهي البطني الوسطي" (VMPC).
 
تأمل الدكتورة يونغ في دراسة مرضى أصغر سنا، ووقع لهم عطب بمنطقة "قشرة الفص الجبهي البطني الوسطي"، وذلك للنظر فيما إذا كان لديهم نفس التعطل في القدرة على الحكم أخلاقيا.
 
كذلك، تُعِد هذه الباحثة خطة لدراسة استجابات المرضى عندما تكون محاولات الإضرار الفاشلة موجهة إليهم، وبالتالي تصبح المسألة شخصية أكثر.
المصدر : الجزيرة