بعد كورونا.. هل أصبحت البنوك المركزية محاصرة بالتريليونات التي استخدمتها لدعم الاقتصاد؟

الاحتياطي الفدرالي الأميركي يتجه بشكل أعمق نحو المجهول، بحسب الكاتب (رويترز)
الاحتياطي الفدرالي الأميركي يتجه بشكل أعمق نحو المجهول، بحسب الكاتب (رويترز)

في تقرير نشرته صحيفة تلغراف البريطانية، قال الكاتب روسل لينش إنه لفهم أكبر جدل قائم بين البنوك المركزية على الإطلاق والمتعلق باستقلالها عن القرارات السياسية، فإن من الضروري أن نعود بالزمن إلى الفترة التي بدأت فيها الحرب الكورية، أي قبل 70 عاما.

فقد ثبت الاحتياطي الفدرالي الأميركي تكاليف الديون الأميركية وقتها عند نسبة 2.5% طوال الحرب العالمية الثانية، من خلال شراء سندات الخزانة بالنقود التي تم طبعها. لكن رئيس البنك الاحتياطي آنذاك توماس مكابي -الذي انزعج من احتمال حدوث طفرة جديدة في الاقتراض الأميركي، ومن ثم احتمال مواجهة خطر التضخم غير المنضبط- أراد إنهاء هذا الإجراء ورفع أسعار الفائدة.

وهكذا جن جنون الرئيس هاري ترومان الذي اتهم بنك الاحتياطي الفدرالي بفعل "ما يريده ستالين بالضبط"، لذلك أقيل مكابي بعد سنوات، ثم وصف ترومان خليفته فيما بعد ويليام مارتن بأنه "خائن" لأنه حاول تأكيد استقلالية البنك الاحتياطي الفدرالي مثل مكابي، وفق تعبير الكاتب.

هنا يستذكر نائب محافظ بنك إنجلترا السابق رئيس مجلس إدارة المخاطر النظامية بول تاكر، هذه الحلقة من التاريخ، ويقول "لقد كان الاحتياطي الفدرالي يثبت دائما نسبة الفائدة، لذلك لم ير ترومان مانعا من مواصلة فعل ذلك".

ويضيف "لقد اعتادت الحكومات على الجلوس وهي تعلم أن البنوك المركزية ستكون سلاح الفرسان الخاص بها".

وعبر تاكر عن قلقه من أن تستمر الأزمة الصحية وعواقبها الاقتصادية لفترة طويلة، حتى تعتاد الشركات والحكومات على خفض البنوك المركزية لتكاليف الاقتراض، وهو ما ينطبق على المملكة المتحدة والاحتياطي الفدرالي على حد سواء.

الدعم المذهل المقدم لأكبر اقتصاد في العالم أدى إلى تضخم ميزانية الفدرالي الأميركي (رويترز)

مستقبل مجهول

وأوضح الكاتب أنه في عالم ما بعد فيروس كورونا، اتجهت البنوك المركزية -وخاصة بنك الاحتياطي الفدرالي تحت رئاسة جيروم باول- بشكل أعمق نحو المجهول، وقد أدى الدعم المذهل المقدم لأكبر اقتصاد في العالم إلى تضخم ميزانيته العمومية إلى حوالي 7 تريليونات دولار، بزيادة 3 تريليونات دولار في أقل من ثلاثة أشهر.

والواقع أن البنك المركزي -بحسب الكاتب- تخلص من ديون الخزينة وسندات الشركات، وسعى نحو إصدار سندات عالية المخاطر وقروض للشركات الصغيرة، كما أن مخططه بقيمة 500 مليار دولار المخصص لإقراض الحكومات المحلية والشركات مباشرة -في إطار برنامج الإقراض الرئيسي البالغة ميزانيته 600 مليار دولار- سيدخل حيز التنفيذ بحلول نهاية الشهر.

وأفاد الكاتب بأن برنامج بنك الاحتياطي الفدرالي سيجعل جهود بنك إنجلترا (200 مليار جنيه إسترليني مخصصة للتيسير الكمي ومخطط الأوراق التجارية الذي تبلغ قيمته 330 مليار جنيه إسترليني الذي يقتصر على شركات الدرجة الاستثمارية) تبدو شبه معتدلة.

وفي أوروبا وبعد استجابته المبكرة والمترددة، قدّم البنك المركزي الأوروبي أيضا برنامجا أصغر حجما لشراء الأصول بقيمة 750 مليار يورو، ووسع نطاق الإقراض مقابل ضمانات إضافية عالية المخاطر.

وفي حالة بنك الاحتياطي الفدرالي، فقد اضطر إلى التحرك بسرعة أكبر وسط المشاحنات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول خطط الدعم، ولكن قرار اختيار الحكومات أو الشركات المحلية التي يجب أن تتلقى المال ليس من اختصاص البنك المركزي.

وهنا يقول بول تاكر إن بنك الاحتياطي الفدرالي  لم يمتلك إستراتيجية واضحة، فعالج ببساطة المشكلات فور ظهورها.

البنك المركزي الأوروبي قدم برنامجا أصغر حجما لشراء الأصول بقيمة 750 مليار يورو

حلول جذرية

وأورد الكاتب أن الشاغل الرئيسي الآن للخبراء والمسؤولين السابقين يتمثل في كيفية تمكين البنوك المركزية في العالم من إعادة فرض استقلالها ورسم الخطوط غير الواضحة بين السياسة النقدية والسياسة المالية، والانسحاب من الأسواق التي انهارت، وذلك دون التسبب في كارثة.

ويعتقد كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا آندي هالدين، أن من المرجح أن يحتفظ البنك بأصوله الكبيرة، ولكن هذا التدبير يبقى مؤقتا.

في المقابل، تعتبر نظرة مسؤولي المصارف السابقين أكثر تشككا تجاه تجربة التيسير الكمي (شراء أصول مالية من قبل البنك المركزي لزيادة المعروض من النقود في الأسواق)، والتي اعتمدت طوال عقد.

وحيال هذا الشأن، يقول أندرو سنتانس وهو عضو سابق في لجنة السياسة النقدية طوال فترة الانهيار ما بين 2007 -2009، "أعتقد أن البنوك المركزية  فقدت صوابها ويجب أن تتوقف وتكتفي بما فعلت، ويجب أن تكون السياسة المالية الأداة الرئيسية لهذه الأزمة".

لكن الكاتب أشار إلى أنه على الرغم من المبالغ الضخمة المستخدمة، فإن الكثير من الخبراء يعتقدون أن حجم الميزانية العمومية المتضخمة يعد أقل خطورة من آليات الانسحاب من تدخلات السوق غير التقليدية التي  تسببها أزمة فيروس كورونا. كما يعتقد أن الخوف من التضخم  يبقى أقل من الخوف من حدوث كارثة وكساد.

وينقل الكاتب عن لكيت باركر، وهي عضوة مخضرمة في لجنة السياسة النقدية، قولها إن التوجيه الواضح للأسواق من خلال ربط إجراءات التعامل مع فيروس كورونا بانخفاض البطالة أو ارتفاع معدلات النمو، يمثل خيارا ولكنه ليس دواء لكل داء.

ومن بين الحلول الجذرية الأخرى، أن يقوم بنك الاحتياطي الفدرالي بنقل الأصول التي وقع شراؤها حديثا -مثل ديون الشركات- إلى الحكومة. بهذه الطريقة، يقرر السياسيون متى تُباع القروض، وهكذا يمكن للبنك المركزي أن يتخلص من السياسة المالية، ويقلص حجم ميزانيته العمومية ويترك مسؤولية إيجاد حلول لمشاكل القطاع الخاص للمسؤولين المنتخبين.

وبحسب الكاتب، يميز بول تاكر أيضا بين سندات الخزانة التقليدية وقروض القطاع الخاص والسندات غير المرغوب فيها (العالية المخاطر) وديون الشركات التي يحتفظ بها بنك الاحتياطي الفدرالي، ويقول إن من الممكن بيع أصول غير تقليدية إلى الحكومة مقابل سندات الخزينة، وبذلك يتجنب البنك المركزي إمكانية بيع السندات غير المرغوب فيها بكثرة، ويتجنب الخطر الذي يتهدد الشركات وآلاف الوظائف الأميركية.

المصدر : الصحافة البريطانية

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة