التجارة زمن كورونا.. ترامب يغري بريطانيا وجونسون يغضب الأوروبيين

ترامب يغري حليفه جونسون بصفقة تجارية هي الأكبر بالتاريخ (الجزيرة)
ترامب يغري حليفه جونسون بصفقة تجارية هي الأكبر بالتاريخ (الجزيرة)

أيوب الريمي-لندن

فرض وباء كورونا أجندته على المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، من أجل التوصل لاتفاق تجاري يقي الطرفين سيناريو الخروج بدون صفقة مع نهاية العام الحالي.

ورغم أن المملكة المتحدة باتت ثاني بلد في العالم من حيث الوفيات بسبب الوباء، فإن هذا لم يمنعها أن تفتح -خلال أسبوع واحد وبشكل متزامن- مفاوضات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى.

ويتواصل المسار المتعثر للمفاوضات بين الاتحاد وحكومة بوريس جونسون، بتبادل الاتهامات بين الطرفين بعرقلة المباحثات، وفرض شروط تعجيزية، فضلا عن إصرار لندن على الحفاظ على خيار الخروج بدون اتفاق مطروحا في طاولة المفاوضات التي تنتهي جولة جديدة منها مع نهاية الأسبوع. 

وبينما تتسع هوة الخلافات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فإن الأمور تسير بشكل جيد في المباحثات التجارية بين لندن وواشنطن للتوصل لاتفاق تبادل حر، وهو ما ظهر من خلال التصريحات التي سبقت انطلاق اجتماعات افتراضية بين وزيرة التجارة الخارجية البريطانية ونظيرها الأميركي هذا الأسبوع، وكلها تصريحات تصب في اتجاه إزالة كل العقبات للتوصل لهذا الاتفاق "التاريخي" كما يحلو للرئيس الأميركي أن يسميه.

خيبة أمل
استبق ميشيل بارنييه المفاوض الأوروبي لملف البريكست الجولة الجديدة من المفاوضات مع المملكة المتحدة، والمنعقدة طيلة أسبوع، لكي يعبر عن خيبة أمله من بطء تقدم المباحثات بين الطرفين، مؤكدا أن التقدم للتوصل لاتفاق تجاري مازال محدودا، معاتبا الجانب البريطاني بكون الأخير لا يتعامل مع المفاوضات بالجدية المطلوبة. 

وتتركز الخلافات بين الطرفين في عدد من الملفات، أولها الصيد البحري، حيث يطلب الأوروبيون تصريحا كاملا لسفنهم بالصيد في السواحل البريطانية، في حين تقول لندن إنها تريد استعادة سيادتها على مياهها الإقليمية، إضافة للخلاف حول معايير الجودة والسلامة بالنسبة للمواد الفلاحية والأغذية، والتعاون الأمني والتنسيق المخابراتي. 

 المسار المتعثر للمفاوضات يتواصل بين الاتحاد الأوروبي وحكومة جونوسون بتبادل الاتهامات وفرض شروط تعجيزية (رويترز)

وينطلق كل طرف في هذه المفاوضات من فلسفة مختلفة، فبريطانيا تريد أن تحصل على حق الولوج للسوق الأوروبية المشتركة وفقط، في وقت ترغب في الابتعاد عن الأوروبيين في كل ما يتعلق بالقوانين التجارية ومعايير الأغذية والقوانين المنظمة للمجال المالي والمنافسة الاقتصادية. 

أما الأوروبيون، فهم يصرون على أن الاتفاق التجاري شامل "إما أن يؤخذ كله أو يترك بما فيه" وهذا يعني أنه يتعين على بريطانيا أن توافق على الالتزام بالمعايير الأوروبية في الفلاحة والأغذية والسماح للسفن الأوروبية بالصيد بكل حرية في المياه البريطانية، وأن يحال كل نزاع تجاري إلى محكمة العدل للاتحاد الأوروبي للفصل فيه.

وهو ما يرى فيه البريطانيون حيفا في حقهم، معتبرين أن الاتحاد الأوروبي لم يفرض نفس الشروط على دول أخرى عقد معها اتفاق التجارة.

ورغم أن كل استطلاعات الرأي تفيد بأن التجار البريطانيين لا يريدون أن تذهب بلادهم لسيناريو الخروج بدون اتفاق، فإن حكومة جونسون مصرة على عدم تمديد المفاوضات إلى ما بعد 31 ديسمبر/ كانون الأول المقبل. 

ويبقي الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر للمملكة المتحدة، حيث تبلغ المبادلات بين الطرفين 721 مليار دولار. وفي حال عدم التوصل لاتفاق فإن مركز الأداء الاقتصادي التابع لجامعة لندن يتوقع أن يتراجع نصيب الفرد البريطاني من الناتج الداخلي بنسبة تتراوح بين 3.5 و8.7%، وذلك على امتداد السنوات العشر القادمة. 

وبقي أمام الطرفين فرص قليلة تبدأ بمفاوضات هذا الشهر، وتنتهي بحلول يوليو/ تموز، الذي من المفترض أن يكون الجانبان قد توصلا فيه لمسودة اتفاق تجاري تتم مناقشته في البرلمان، والتعديل عليها قبل المصادقة مع نهاية السنة.

حجم المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا يبلغ حاليا 262 مليار دولار (غيتي)

ترامب والانتخابات  
من ناحية أخرى، فقد ألغى وباء كورونا قمة استثنائية كان من المقرر أن تعقد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني، وخلالها كان سيتم الإعلان عن وضع الخطوط العريضة لاتفاق التبادل الحر بين الجانبين، لكن هذا لم يمنع واشنطن ولندن من مواصلة المفاوضات وإن عن بعد، بين وزيري تجارة البلدين.

وبخلاف التشدد البريطاني مع الاتحاد الأوروبي، فإن حكومة جونسون تظهر الكثير من اللين في التعامل مع الإدارة الأميركية، ولا أدل على ذلك من تصريح وزير الخارجية دومنيك راب الذي أكد أن بلاده سوف تعيد النظر في كل علاقاتها مع الصين بعد انتهاء أزمة وباء كورونا، وهو ما اعتبره كثيرون استجابة للضغوطات الأميركية المطالبة بصرامة بريطانية أكبر مع بكين. 

ويغري ترامب حليفه جونسون بصفقة تجارية هي الأكبر في التاريخ سوف ترفع لأربعة أضعاف من حجم المبادلات بين البلدين البالغة حاليا 262 مليار دولار، وهو تقريبا ما يعادل حجم التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي، لكن خبراء كثرا يتوقعون أن يتضاعف هذا الرقم ليصل في أفضل الأحوال إلى 500 مليار دولار. 

ومهدت بريطانيا -لبداية مفاوضاتها مع الولايات المتحدة- بإجراء الكثير من التعديلات القانونية، من بينها عدم الالتزام بالمعايير الأوروبية في مجال الأغذية، حتى لا تكون عائقا أمام المنتجات الأميركية. 

وتتوقع ورقة بحثية من جامعة هارفرد -نشرت بصحيفة فايننشال تايمز- أن السباق الانتخابي بالولايات المتحدة سوف يسرع عملية التفاوض التجاري مع لندن، فترامب يريد الدخول للحملة وهو يحمل بين يديه "اتفاقا تجاريا مصغرا" مع بريطانيا، هو عبارة عن إعلان مبادئ دون الاتفاق على كل التفاصيل.

نفس التقرير يعتبر أنه من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- التوصل لاتفاق تبادل حر، قبل الانتخابات الأميركية، لما في ذلك من تعقيدات وتفاصيل تحتاج للكثير من الوقت. 

ولعل ما يقلق لندن هو سقف الطموح الأميركي الراغب في اقتحام كامل للسوق البريطانية، بما في ذلك الاستثمار بالقطاع الصحي، وهو الأمر الذي أصبح مستبعدا مع جائحة كورونا، وعودة اهتمام الدولة بهذا القطاع، إضافة للإلحاح الأميركي على استثناء الشركات التكنولوجية الكبرى (فيسبوك، أمازون، غوغل) من الضريبة. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تواجه صناعة التأمين على الحياة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية خسارات مالية كبيرة بسبب ارتفاع عدد الوفيات عبر العالم نتيجة انتشار فيروس كورونا. التفاصيل في التقرير المشترك لمراسلي الجزيرة نت.

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة