أزمة كورونا.. لهذه الأسباب يحتاج العالم إلى دولار ضعيف

ربما تتسبب قيمة الدولار المرتفعة في خراب الأسواق الناشئة (غيتي)
ربما تتسبب قيمة الدولار المرتفعة في خراب الأسواق الناشئة (غيتي)

ينبغي على الاقتصادات الكبرى إبرام اتفاقيات العملة لتحقيق الاستقرار في الدولار الأميركي، ولا سيما خلال أزمة كورونا (كوفيد-19)، مما من شأنه أن يمنع ارتفاع قيمته بشكل سريع مقابل العملات الأخرى التي من المؤكد أنها ستطلق دعوات لاتخاذ إجراءات حمائية.

وقال تقرير في موقع "أويل برايس" الأميركي إن هناك سابقة تاريخية في مثل هذه الأزمة، حيث إنه عام 1985 عندما ارتفعت قيمة الدولار الأميركي عقدت مجموعة الدول الخمس الكبرى -التي تضم الولايات المتحدة وألمانيا الغربية واليابان وفرنسا والمملكة المتحدة- اجتماعا في سبتمبر/أيلول بفندق بلازا في نيويورك.

وفي ذلك الوقت كان من الضروري تطبيق مفهوم التعددية واتخاذ إجراءات منفصلة لإعادة تنظيم استقرار سعر الصرف ومواجهة الدولار القوي في أوائل الثمانينيات.

وكان اتخاذ مثل هذا الإجراء مهما، ولا سيما بالنسبة لألمانيا الغربية واليابان وقتها، واللتين كانتا خصمين سابقين يستأثران بزيادة الإنتاج الصناعي الأميركي.

وبحسب تقرير أويل برايس، عقد وزير الخزانة الأميركي السابق جيمس بيكر هذا الاجتماع، معربا عن قلقه بشأن تزايد مشاعر الحمائية بين أصحاب المصالح الصناعية الأميركية بسبب عجز ميزانية الولايات المتحدة والفائض الذي سجلته اليابان وألمانيا.

واستند الاجتماع -الذي عقد سرا- إلى علاقة بيكر الوثيقة بالرئيس رونالد ريغان آنذاك، وعلى الرغم من أن فكرة بيكر تتناقض بشكل صارخ مع سياسة ريغان بشأن السيطرة على التضخم بدولار قوي فإن الرئيس أعجب بالفكرة مع أنه كان يدرك أن الحمائية ستلحق الضرر بالأسواق أكثر من تعزيز المصالح المحلية على المدى الطويل، وفق تقرير أويل برايس.

وضع كارثي
وفي ضوء هذه السابقة التاريخية -يقول التقرير- إن الاقتصاد العالمي يواجه وضعا كارثيا أكثر في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، والتي أدت إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية، وتسببت في ارتفاع قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية العالمية الأخرى في غضون أسابيع قليلة.

لذلك، فإن من الضروري إبرام اتفاق "بلازا جديد" لتهدئة تقلبات السوق، في وقت طرأت على العالم تغييرات نقدية عديدة على مدار الأعوام الـ35 الماضية التي من المحتمل أن تحول دون اتخاذ مثل هذا الإجراء، وهي:

1- أضحت أسواق رأس المال العالمية معقدة ومتكاملة أكثر إلكترونيا مما كانت عليه في عام 1985.

2- باتت الأحادية أو النزعة الانفرادية الهدف الذي ترنو إليه معظم البلدان.

3- تمتلك الصين اقتصادا مدعوما بالدولار، ولن توافق بسهولة على انخفاض قيمة مدخراتها الضخمة من الدولار.

وفيما يتعلق بأسواق رأس المال، تمثل القروض الائتمانية بالدولار 14% من إجمالي الناتج المحلي العالمي غير المصرفي اعتبارا من عام 2018.

وفي الواقع، فإن الأوراق المالية المتداولة في جميع أنحاء العالم من فئة مئة دولار أكثر من الأوراق المالية من فئة واحد دولار، علما بأن 80% منها خارج الولايات المتحدة.

وتعد السندات والقروض والمدفوعات في جميع أنحاء العالم اليوم مقومة بالدولار، ولا تدين الولايات المتحدة بهذه الدولارات، بل هي بمثابة اتفاقيات مبرمة بين أطراف مختلفة باعتماد الدولار الذي يمثل العملة الأكثر استقرارا في العالم.

يشار إلى أن الأزمة المالية التي سببها فيروس كورونا ساهمت في تأخير المدفوعات بالدولار، ومن المتوقع أن يتخلف الدائنون عن السداد في المستقبل القريب.

وفضلا عن ذلك، تأثرت أيضا العملات الصعبة مثل الين الياباني والفرنك السويسري بأزمة التقلبات، بسبب السيولة التي تملكها لسد هذه المدفوعات، وفق ما يذكر تقرير أويل برايس.

أما فيما يتعلق بالأحادية فقد باتت من إحدى نتائج الحمائية، ذلك أن الكثير من البلدان تحاول احتواء تفشي الجائحة بشكل منفرد، لكن في مثل هذا الوضع يحتاج العالم إلى قيادة منسقة.

يأتي ذلك في وقت يسعى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتأثير بشكل مباشر على السياسة الاقتصادية، بينما قوض ثقة الدول القومية التي يراها عاملا مضرا بالأسواق الأميركية، وهذا يتناقض مع أسلوب ريغان في عام 1985 الذي سمح لبيكر بمتابعة المفاوضات متعددة الأطراف بمفرده، يضيف التقرير.

إن خطوط "مبادلة" الائتمان الضخمة والعقود التي نظمتها وزارة الخزانة الأميركية مؤخرا للحد من المخاطر ومساعدة البلدان المتحالفة بقروضها الدولارية لا تكفي لوقف موجة الطلب الهائلة على العملة الأميركية، وبالتالي لا توجد أموال كافية في النظام لأداء كل الديون الدولارية المستحقة.

وفيما يتعلق بالنقطة الثالثة، فإن الصين تمتلك -حسب التقديرات الأخيرة- احتياطيات من العملات الأجنبية أكثر من أي دولة أخرى في العالم وتبلغ ثلاثة تريليونات دولار.

وتعني العملات الأجنبية الدولار الأميركي الذي يمثل 62% من الاحتياطيات العالمية، بينما يستأثر اليورو بنسبة 20%، لذلك يعتبر التخفيض من قيمة اليوان إلى أبعد من ذلك عاملا مقوضا للمصالح الصينية.

وتعد الصين -حسب تقرير أويل برايس- في الوقت الراهن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقد ساعدت الاحتياطات الهائلة من الدولار بكين على تجاوز الأزمات المالية بشكل أفضل من الدول الأخرى، مثل الأزمة المالية في عام 1997، وذلك عندما افتقرت معظم الدول الآسيوية إلى احتياطيات الدولار اللازمة لتهدئة التدافع على العملات المحلية.

 

نهج متعدد الأطراف
ويقول التقرير إن من شأن الانخفاض المنظم للدولار الأميركي أن يهدئ الأسواق العالمية، إلى جانب استقرار العملات الأخرى ورفع قيمتها، كما أن من شأن اتباع نهج متعدد الأطراف من قبل كبار وزراء المالية وبدعم من القيادة المالية الأميركية القوية أن يهدئ الأسواق في هذا الوقت العصيب الذي يمر به العالم بسبب الوباء وانهيار أسعار النفط.

وحذر التقرير من أنه في حال لم يتم اتخاذ أي إجراءات فإن قيمة الدولار المرتفعة ستتسبب في خراب الأسواق الناشئة، إلى جانب ارتفاع التضخم وانهيار قيمة العملات وتراجع القدرة التنافسية للولايات المتحدة.

وعاد التقرير ليؤكد أن اتفاقية 1985 ربما كانت بمثابة آخر مبادرة عظيمة للسيطرة متعددة الأطراف على صعود الدولار.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة