سياسة وافق عليها النظام والمستثمرون لمواجهة كورونا.. التضحية بالآلاف لإنقاذ اقتصاد مصر

السيسي أكد أن أضرار استمرار توقف النشاط الاقتصادي أخطر من أضرار الإصابة بالفيروس (رويترز)
السيسي أكد أن أضرار استمرار توقف النشاط الاقتصادي أخطر من أضرار الإصابة بالفيروس (رويترز)

عبد الله حامد-القاهرة

كان من المتوقع أن يكون البسطاء في مصر هم الأسرع للشكوى من تدهور الأوضاع الاقتصادية جراء تدابير قاسية أعقبت انتشار فيروس كورونا، حيث بلغ عدد المتوفين بالفيروس 94 مصريا وأصيب به نحو 1450، فضلا عما حاق بالبسطاء جراء سياسات اقتصادية عنيفة هبطت بكثير منهم إلى قاع الفقر. 

لكن المفارقة كانت في أن الذين جأروا بالشكوى سريعا هم رجال أعمال ومليارديرات من الوزن الثقيل احتجاجا على "وقف الحال".

وبلغ الأمر ببعضهم حد التصريح بتهديدات مبطنة بأنهم سيعلقون الأنشطة ويسرحون العمالة، في حين كان بعضهم أكثر رحمة وقال إنه سيدفع فقط نصف رواتب عماله، بينما اعتبر آخرون أن إفلاس الدولة أخطر من سقوط ضحايا للفيروس. 

مطالب المستثمرين
طالبت جمعية رجال الأعمال الدولة ببحث سيناريوهات عودة الإنتاج إذا تجاوزت الأزمة الشهر، خشية الوصول إلى مرحلة إفلاس الشركات، وحينها "ستحدث مأساة اجتماعية مرعبة".

وركزت مطالب رجال الأعمال -ومعظمهم مليارديرات يصنفون من بين أغنى أغنياء العالم- على ضرورة إصدار قرارات باستئناف الأنشطة الصناعية والتجارية.

وفي خطابه يوم الثلاثاء، انسجم الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مطالب رجال الأعمال، مؤكدا الاتجاه لصيغة جديدة لإعادة استئناف النشاط.

وأكد السيسي أن أضرار استمرار توقف النشاط الاقتصادي أخطر من أضرار الإصابة بالفيروس، مشيرا إلى اتخاذ كافة الإجراءات للتخفيف عن القطاع الخاص، ووجّه الشكر للقطاع الخاص على دعمه.

وفسر مغردون تأكيد السيسي على أنه لن يتخذ مزيدا من الإجراءات الوقائية كما فعلت بلدان عدة، بأنه محاولة لتخفيف الآثار الاقتصادية لإجراءات الدولة، واستجابة لمطالب رجال أعمال يتبرعون كل حين لصندوق تحيا مصر الواقع تحت الإشراف الشخصي للسيسي.

كما سخر مغردون من مطالب رجال الأعمال من الدولة بدعمهم بأن "هذه هي عقلية رجال الأعمال".

واعتبر آخرون أن تصريحات رجال الأعمال هي مجرد محاولات لابتزاز الحكومة.

بالمقابل اعتبر مدافعون عن رجال الأعمال هذه التصريحات حملةً حكومية لابتزاز رجال الأعمال. 

وبدا من تصريحات رجال الأعمال أنهم يتعرضون لضغوط عنيفة للتبرع لصندوق تحيا مصر، كما فعلت مؤسسات عدة في الدولة، حيث أعلن رجل الأعمال رؤوف غبور في تصريحات صحفية أنه "من المرفوض مطالبتي بالتبرع في ظل معاناة اقتصادية وخسائر تتكبدها شركاتي". 

وتتلخص نظرة المصريين لرجال الأعمال عموما، كما تصورها الأعمال الدرامية، في أنهم لصوص وناهبون لثروات الدولة. 

ورجال الأعمال في مصر هم نمط مختلف اعتاد الربح فقط ولا يعرف الخسارة، مقارنة برجال أعمال في الغرب، وفق مراقبين.

وبعد موجة من الهجوم على رجل الأعمال نجيب ساويرس بسبب تصريحاته، أعلنت مؤسسة ساويرس الخيرية المملوكة لآل ساويرس عن التبرع بـ100 مليون جنيه (6 ملايين دولار) لمواجهة الأزمة، في حين قال مغردون إن العاملين في مؤسساتهم الذين انخفضت مرتباتهم إلى النصف عقب الأزمة هم أولى بالتبرع.

‪نجيب ساويرس ماطل في دفع 14 مليار جنيه هي جملة ضرائب متراكمة عليه للدولة‬ (رويترز)

جانب آخر
غير أن هناك من رجال الأعمال من شذ عن اتجاه التصريحات السائدة بينهم، حيث أكد رجل الأعمال محمد العربي أن الشركة لن تتخلى عن أحد من العاملين بها، لافتا إلى أنهم يفكرون حاليا في تقديم موعد صرف المنح والمرتبات.

وكشفت منظمة العمل الدولية أنه من المتوقع أن تؤدي أزمة وباء كورونا إلى حدوث تخفيضات كبيرة في عدد العمال بالدول العربية بنسبة 8.1%، أو قرابة خمسة ملايين عامل بدوام كامل. 

وقال تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) إن فيروس كورونا سيهبط بنحو 8.3 ملايين شخص في المنطقة العربية لما دون خط الفقر، مما يرفع عدد الفقراء في المنطقة إلى 101.4 مليون عربي، ليصل من يعانون من نقص الغذاء إلى 52 مليون شخص. 

كاتب ومحلل يعمل لدى مؤسسة يملكها رجل أعمال اشتهر بتصريحاته المثيرة للجدل في أزمة كورونا، تحدث للجزيرة نت رافضا الإفصاح عن هويته، لكي يتكلم بحريته دون أن يلحقه ضرر. 

وقال المتحدث إن انتشار كورونا لن ينهي الصراع الاجتماعي بين رجال الأعمال والعمال، لكنه على العكس يساهم في تكثيفه، كما يحدث في الكوارث الكبرى عادة، وسعي كل فرد للنجاة بنفسه. 

وأوضح أن شح الموارد، وضبابية المستقبل، وتعطل المنظومة المعتادة، أمور تدفع الناس لمزيد من الصراع، وهنا -في رأيه- يفوز أصحاب القوة والسطوة، والقادرون على التأثير في السياسات العامة، ليتمكنوا من فرض مصالحهم.

ويؤكد المتحدث أن الدولة تتوافق مع رجال الأعمال، أصحاب المصالح المباشرة والواضحة، حيث لا تملك إلا ذلك، فأي سيناريو بديل صادم لرجال الأعمال سيؤدي لمزيد من الأزمات ولن يحلها إلا بتدخل الدولة كما حدث بالخارج سواء بتعويض العمال أو بإجبار رجال الأعمال على الدفع، وكلا الخيارين يصعب على تركيبة النظام الحالي اختياره.

ويؤكد المتحدث أن القضية الجوهرية الآن هي الصراع بين منحنيين، هما منحنى الاقتصاد ومنحنى العدوى، وتحسين الوضع في أحدهما، ينعكس سلبا على المنحى الآخر. 

وأشار إلى أن الدولة التي ستختار حياة الناس وصحتهم، لا بد أن تقوم بمواجهات مهولة على الجبهة الاقتصادية، ويتوقف الأمر في تقديره على مدى قدرة الدولة على التدخل لوقف قوانين السوق، لفترة أطول وبدرجة أعلى، وأهم عنصر في قوتها هو أن يكون في خزينة الدولة ما تنفق به طوال مدة تعطيل السوق. 

يوضح المتحدث أنه في حالة مصر فالمسألة لا تزال بعيدة جدا، إلا إذا أديرت الأمور بمنهج مختلف، جوهره إجبار رجال الأعمال على الإنتاج بهدف سد الاحتياجات الأساسية حاليا، مع توزيع عادل لكل الموارد، ليدفع الجميع فاتورة الخسائر، بحيث يمكن أن يدفع رجل الأعمال نصف ثروته ويظل مليارديرا، لتذهب نصف ثروته تلك لتطوير القطاع الصحي.

ورأى أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين أن مواقف رجال الأعمال بمصر متسقة مع طبيعة العمل، لكن معظم رجال الأعمال في مصر "نهبوا البلد ولا يدفعون ضرائب". 

وضرب مثلا على ذلك بنجيب ساويرس الذي ماطل في دفع 14 مليار جنيه (900 مليون دولار) هي جملة ضرائب متراكمة مستحقة عليه للدولة، فضلا عن استفادة رجل الأعمال رؤوف غبور من تدمير شركة النصر للسيارات الحكومية. 

وأكد شاهين في حديث للجزيرة نت أن الدولة فرطت في حقوق البلاد لصالح طبقة من المنتفعين من رجال أعمال أثروا ثراء فاحشا جراء هذه السياسات الفاسدة، وهم غير مستعدين الآن لخسارة أي جنيه لدعم البلاد. 

ورجح شاهين أن ينجح السيسي في إجبارهم على التبرع حيث لا موارد أخرى أمامه، مؤكدا أن ما يجري للمصريين، وبالذات العمالة، هو جريمة في حقهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة