العمّال الفلسطينيون بإسرائيل في مواجهة كورونا.. الاغتراب قسرا لتأمين لقمة العيش

عمّال فلسطينيون يتجهون للعمل بإسرائيل عبر معبر الطيبة بالضفة الغربية (الجزيرة)
عمّال فلسطينيون يتجهون للعمل بإسرائيل عبر معبر الطيبة بالضفة الغربية (الجزيرة)
عاطف دغلس-نابلس
 

لم يكن الخيار سهلا لدى الشاب الفلسطيني إبراهيم هلال (32 عاما) بالتوجه للعمل داخل الخط الأخضر والمبيت هناك، بعيدا عن أطفاله وعائلته، قبل أن تغلق المعابر بالكامل بين دولة الاحتلال والأراضي الفلسطينية؛ منعا لانتشار فيروس كورونا.

بشكل متدرج، أعلنت إسرائيل أنها ستسمح لآلاف العمال الفلسطينيين بالمبيت داخلها، شريطة تحمُّل أرباب العمل مسؤولية توفير مساكنهم وكافة مستلزماتهم، كما أمهلت الحكومة الفلسطينية العمال في قرار اتخذته الأربعاء الماضي، ينتهي صباح اليوم الأحد، لتدبير أمور نومهم في إسرائيل قبيل إغلاق المعابر.

وما إن انتهت المهلة المحددة حتى بدأت الأرقام تتكشف؛ فمن بين 150 ألف عامل لديهم تصاريح خاصة، اتخذ نحو ستين ألفا منهم قرار البقاء، ويعمل معظمهم في قطاع البناء، ولاحقت إسرائيل غير القانونيين (المُهَرَّبين) وأجبرتهم على العودة.

من بين ثلاثة أشقاء يعملون في الداخل المحتل، تحمّل إبراهيم هذا العناء والمغيب عن زوجته وأطفاله الخمسة لنحو ستين يوما، كما ينص القرار، فهذه فرصته للحفاظ على عمله ولقمة عيشه وسداد التزاماته المالية، المقدرة بأكثر من أربعمئة دولار أميركي شهريا، بالإضافة إلى مصروف عائلته الذي لا يقل عن تسعمئة دولار شهريا.

يتقاضى إبراهيم بعمله في مهنة القصارة -كما يقول للجزيرة نت- نحو 350 دولارا أميركيا أسبوعيا، ولم يكن يحصل على ثلثه في الضفة الغربية، إذا وجد عملا أصلا جراء الإغلاق، كما أنه يُبقي على دخل متواصل لعائلته، فضلا عن حصوله على كامل مستلزماته من كمامات ومعقمات يستخدمها أثناء العمل.

واستبق إبراهيم قرار الاحتلال والسلطة الفلسطينية بإغلاق المعابر بأيام، سعيا منه لتجنيب عائلته أية أضرار وإصابة بالفيروس نتيجة تنقله يوميا من مكان عمله في إسرائيل لمنزله في قلقيلية، ويقول بلهجته الفلسطينية المثل الشائع "ما رماك للمر غير الأمر منه".

العامل الفلسطيني إبراهيم هلال من مكان عمله داخل الخط الأخضر الذي سيمكث فيه شهرين بسبب قرارات تتعلق بمواجهة فيروس كورونا (الجزيرة) 


تراجع وفقد وظائف
تشير البيانات الاقتصادية الفلسطينية إلى أن دخل "عمّال إسرائيل" -الذين يصلون لنحو مئتي ألف عامل (قانونيين ومُهَرَّبين)- يقدر بأكثر من مليوني دولار أميركي شهريا، لكنها ستتراجع "لأقل من الثلث" إذا استمر الإغلاق لنهاية أبريل/نيسان القادم خوفا من كورونا.

ومثل العامل إبراهيم هلال، وجد سفيان بلاونة (34 عاما) -الذي يعمل في شركة للحفريات- أملا في حصوله على مبيت بالعمل، وبهذا تلاشى تخوفه من إغلاق يمتد أسابيع طويلة، حيث يعاني من وضع اقتصادي صعب، وعليه الإيفاء بالتزامات مالية مترتبة عليه.

ولحسن حظ هلال وبلاونة أنهما يحوزان على تصريح يوفره رب العمل، ويلزمه بتوفير مكان للمبيت، وهو ما لم يجده العامل فادي حمدان، الذي ابتاع تصريحا مدته شهر بسبعمئة دولار أميركي، ولم يستخدمه إلا أسبوعين جراء إغلاق المعابر.

يقول الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد إن توقف "عمّال إسرائيل" أو تراجع أعدادهم يعني خسارة أقل من ثلث دخلهم الشهري، الذي يفوق مليوني دولار أميركي، وبالتالي تراجع إسهامهم في الناتج المحلي لـ35%، وهو ما سيرفع معدلات البطالة والفقر المتزايدة بين الفلسطينيين، "وتحوم حول 30% لكل منهما".

ويرجح أن ما لا يقل عن 25 ألف فلسطيني من عمال الضفة الغربية وإسرائيل سيفقدون وظائفهم حتى نهاية أبريل/نيسان القادم.

لكن "الأسوأ" في رأي سعد -الذي أدلى به للجزيرة نت- أن رأس المال الفلسطيني (القطاع الخاص) لا يحتمل فقط استيعاب هؤلاء العمال العاطلين، بل لا يُعوضهم أيضا، وأضاف "أن 70% من رأس المال الفلسطيني يلتف على حقوق العمال وينتهكها".

 أكثر من 60 ألف عامل فلسطيني يستعدون للمبيت بإسرائيل (الجزيرة)


برامج للتكافل
ووفق بيان منسق أعمال حكومة الاحتلال، فقد سرى منذ صباح اليوم الأحد إغلاق المعابر مع غزة والضفة الغربية، ولن يسمح لأحد بإدخال العمال والتجار، وحتى حملة التصاريح الخاصة.

وفي ذلك محاولة لضبط الوضع أكثر، ومنع انتشار فيروس كورونا، وفق وزير العمل الفلسطيني نصري أبو جيش، الذي دعا إسرائيل من خلال "خلية إدارة الأزمة" لتوفير أماكن مبيت لائقة من كل النواحي للعمال، ووقف تهريبهم، مطالبا بوقف دخول عمال المستوطنات أيضا.

ويقول أبو جيش للجزيرة نت إن هذه "الإجراءات الاحترازية" ضرورية لحماية الإنسان الفلسطيني، رغم تبعاتها الصعبة على سوق العمل، "وهو شعار ترفعه كل الدول تحديا لكورونا".

وأظهر الفلسطينيون تحديهم لهذه الحالة الطارئة، كما يقول الناطق باسم وزارة العمل الفلسطينية عزمي عبد الرحمن بالتعاضد والتعاون بين المؤسسات المختلفة، كوزارة العمل والتنمية الاجتماعية لإيجاد "برامج تكافل" تعكس هذا التكاتف.

وقبل أن يحزم أمتعته مغادرا بلده ومودعا عائلته، كان يعرف إبراهيم هلال وغيره من آلاف العمال أن عودتهم ربما تطول قليلا، لكن هذا الغياب سيكفيهم شر السؤال وتوفير لقمة العيش المغمسة بالدم.

المصدر : الجزيرة