القصرين بعد تسع سنوات من الثورة التونسية.. ماذا تحقق لـ"عروس الشهداء"؟

سكان محافظة القصرين بانتظار تحقيق قدر من التنمية والعدالة الاجتماعية منذ سنوات (الجزيرة)
سكان محافظة القصرين بانتظار تحقيق قدر من التنمية والعدالة الاجتماعية منذ سنوات (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-القصرين

على امتداد الشارع الرئيسي لمدخل محافظة القصرين (وسط غرب تونس)، لا شيء يدل على تغير رسمي في المدينة أو بنيتها التحتية بعد تسع سنوات من الثورة، وحدها مخطوطات الغرافيتي على واجهة الجدران تذكر الزائرين بالشعارات المطلبية في ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 التي انتهت بسقوط نظام زين العابدين بن علي، وعلى رأسها الشغل والكرامة.

فأهالي محافظة القصرين (440 ألف نسمة) الذين دفعوا ضريبة الدم بعد وقوفهم ضد دكتاتورية النظام السابق، يرون أن عقارب الساعة توقفت عند الثورة، ولم تجنِ المدينة سوى مزيد من الفقر والبطالة، فهم بانتظار تحقيق قدر من التنمية والعدالة الاجتماعية منذ سنوات.

خيبة أمل
في هذه الأحياء الساخنة التي قادت ثورة 2011، مثل حي النور وحي الزهور، يستقبل سكان القصرين بخيبة أمل متزايدة شهر يناير/كانون الثاني من كل سنة، حيث تبقى شكواهم كما كانت تكمن في الفقر والبطالة والإهمال السياسي، فباستثناء حرية التعبير والديمقراطية، ازداد الوضع سوءا على جميع المستويات.

يقول رئيس منتدى الشباب لثقافة المواطنة بسام صالحي -للجزيرة نت- إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي منذ ثورة 2011 ما زال مترديا، وذلك لغياب إستراتيجية إدارية قادرة على الخروج بمحافظته من بؤرة الضعف، وعدم القدرة على الرقي بوضعية المواطن التونسي وخاصة مواطني الجهات (المحافظات) الداخلية.

ويضيف الصالحي أن هذه الوضعية الصعبة كانت نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة وعجز أصحاب القرار على النطاق الجهوري عن إيجاد حلول للخروج بالبلاد من الخناق الذي تفرضه المنظومة الاقتصادية العالمية، معتبرا أن الأعباء الاجتماعية ما زالت تمثل عوامل تفجير دائمة في ظل عدم تطبيق المركزية.

من جهته، يعرب الناشط بالمجتمع المدني وليد سمعلي للجزيرة نت عن أمله في أن يتدارك الرئيس الجديد قيس سعيد والبرلمان القادم تأزم الأوضاع الاجتماعية، وأن يعملا على تحقيق التنمية والعيش الكريم في مدينة القصرين التي أهدت تونس الكثير من الحرية بفضل دماء أبنائها الزكية في الثورة.

الأوضاع الاقتصادية الصعبة في القصرين كانت نتيجة لفشل الحكومات المتعاقبة (الجزيرة)

حلول عاجلة
أمام مقر المحافظة، ما زالت خيمات المعطلين عن العمل تملأ المكان، وما زال المحتجون يواصلون اعتصامهم للمطالبة بالعمل وإتاحة فرص الاستثمار دون هوادة منذ ثورة 2011، فيما تكتظ المقاهي في القصرين بالشباب العاطل عن العمل، بالرغم من أن أغلبهم يملكون شهادات جامعية.

ويقول المعطل عن العمل محمد فارح للجزيرة نت إن الهاجس الوحيد في هذه المدينة المنسية هو البطالة، فضلا عن غياب الاستثمار، مشيرا إلى أن الهوة والتفاوت الذي صنعه النظام السابق بين المراكز الكبرى والمحافظات الداخلية، هو ما تسبب في زيادة مأساة هذه المدينة.

من جهته، يضيف الناشط الحقوقي محمد الخضراوي أن الوضع لم يسجل أي تحسن منذ الثورة في مدينة القصرين، رغم الحديث عن دورها المحوري في تفجير أحداث الثورة التونسية، لافتا إلى أنه لا بد من وضع برامج مستقبلية تطرح حلولا جدية لحاملي الشهادات العليا العاطلين عن العمل.

وتصل معدلات البطالة في مدينة القصرين إلى 23%، مقابل حوالي 15% على الصعيد الوطني، وفقا لتعداد السكان عام 2014 الذي نشره المعهد الوطني للإحصاء (حكومي)، فيما تبقى مؤشرات التنمية الإقليمية والبشرية الأدنى في البلاد.

مهرجان الشهيد
الجراح التي لم تندمل، لم تمنع أهالي مدينة الشهداء من الاحتفال بمهرجان الشهيد وإقامة العديد من العروض الثقافية تحت شعار "نعم للتمييز الإيجابي بين الجهات"، وتقول المكلفة بالإعلام جيهان نصري للجزيرة نت إنه تم تحديد ثلاثة أيام من يناير/كانون الثاني كل سنة للاحتفال بمهرجان الشهيد، ترسيخا لدماء شبابها الزكية.

وتضيف أن هذا المهرجان سيكون الذاكرة الوطنية التي تحفظ تاريخ جرحى وشهداء مدينة القصرين، حتى لا يمحى من أذهان التونسيين، موضحة أن العديد من جرحى الثورة لم يتم إنصافهم للحصول على تعويضات، وفق تعبيرها.

وتم تقديم طلب من طرف "محامون بلا حدود"، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في يونيو/حزيران 2015، إلى هيئة الحقيقة والكرامة، من أجل الاعتراف رسميا بالقصرين "منطقة ضحية" لسياسات ما قبل الثورة، ويطالب النص بالحصول على تعويضات.

شعارات الثورة ما زالت مخطوطة على الجدران المتفحمة، تروي قصة الرصاص المسكوب على أجساد قبرت كالمطالب الاجتماعية التي لم يتحقق منها شيء، بانتظار أن تشرق عليها شمس العدالة الاجتماعية.

المصدر : الجزيرة