جونسون يستعين بترامب لإنقاذ اقتصاد بريطانيا من خسائر "بريكست" بدون اتفاق

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يسير بخطوات ثابتة لإخراج بلاده من الاتحاد الأوروبي (غيتي)
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يسير بخطوات ثابتة لإخراج بلاده من الاتحاد الأوروبي (غيتي)

الجزيرة نت–لندن 

يسير رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بخطوات ثابتة لإخراج بلاده من الاتحاد الأوروبي، وفق جدول زمني لا يتعدى نهاية العام الحالي. وبمجرد تصويت البرلمان بالأغلبية على قانون الخروج، انتقل النقاش للحديث عن طريقة انفصال لندن عن التكتل الأوروبي، ومدى قدرة المتفاوضين على التوصل لاتفاق تجاري جديد قبل نهاية عام 2020، أو الجنوح نحو سيناريو الخروج من دون اتفاق.

وكل متتبع لخطاب جونسون في فترة الحملة الانتخابية نهاية العام الماضي، سيفهم أن الرجل يريد خروجا من الاتحاد الأوروبي ولو من دون اتفاق، وهو مستعد لتحمل تكاليفه الاقتصادية، لولا أن حديث الانتخابات يختفي مع نهاية الحملة، أما الواقع فشيء آخر، حيث ظهر رئيس الوزراء في آخر لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين راغبا في التوصل لاتفاق تجاري جديد يجنبه وبلاده خسائر اقتصادية غير مسبوقة.

ومع بدء العد العكسي للخروج الفعلي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، انتقلت ورقة "الخروج من دون اتفاق" من يد جونسون الذي استعملها للترويج الانتخابي، إلى قادة الاتحاد الأوروبي، الذين باتوا يؤكدون استحالة التوصل لاتفاق تجاري مع المملكة المتحدة نهاية هذه السنة.

أوروبا تتمنع
حان وقت الصرامة، والابتعاد عن اللغة الدبلوماسية، بهذه المنهجية وصلت رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلين إلى العاصمة لندن للقاء رئيس الوزراء جونسون، وإلقاء محاضرة في جامعة لندن للاقتصاد، وفيها استعرضت الخطوط العريضة للمفاوضات التجارية المقبلة بين الطرفين.

وأكدت أن السقف الزمني المحدد في سنة واحدة "يجعل من المستحيل الوصول إلى اتفاق جديد لأن الوقت قصير جدا"، وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه ميشيل بارنييه مسؤول البريكست في الاتحاد الأوروبي، بوصفه الوصول لاتفاق تجاري مع بريطانيا نهاية العام "بغير الواقعي".

وردت المسؤولة الأوروبية على تصريحات جونسون بأنه يريد التوصل إلى اتفاق جديد بناء على أساس "صفر ضرائب وصفر كوتا"، وهو ما يعني التوصل لاتفاق تبادل تجاري حر، معتبرة أن هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع بريطانيا "لكن التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين لن يعود كما كان في السابق".

وبررت مسؤولة الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي هذا الموقف بأنه "لا يمكن الحديث عن حرية تنقل لرؤوس الأموال والبضائع من دون حرية تنقل الأشخاص"، محذرة لندن من أنها ستخسر أكبر سوق موحد في العالم.

تلويح الاتحاد الأوروبي بورقة الخروج من دون اتفاق، وسحبها من يد جونسون، مرده لاتفاق أغلب المؤسسات الاقتصادية -سواء البريطانية أو الأوروبية- على أن الخاسر الأكبر سيكون الاقتصاد البريطاني أكثر من غيره.

قادة الاتحاد الأوروبي يؤكدون استحالة التوصل لاتفاق تجاري مع المملكة المتحدة نهاية هذا العام (رويترز)

سيناريو الرعب
يعد البنك المركزي البريطاني أول المتخوفين من سيناريو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، وأكد مرارا أن اقتصاد البلاد قد يتعرض لانكماش مشابه لما حدث له عقب الحرب العالمية الثانية، ولن يتجاوز آثار هذا الخيار إلا بعد سنوات.

أطروحة تعززها العديد من الدراسات، ومن بين تلك الصادرة "مركز الأداء الاقتصادي" التابع لجامعة لندن للاقتصاد، الذي قال إنه في حال انتقل التعامل التجاري بين الطرفين إلى الاعتماد على معايير منظمة التجارة العالمية عوض معايير السوق الموحدة، ودون الاستفادة من اتفاق تبادل الحرب؛ فإن هذا الوضع سيقلص نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام بنسبة تتراوح بين 3.5 و8.7%، وذلك على امتداد السنوات العشر القادمة.

في حين تكشف الأرقام الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حجم خسائر الصادرات البريطانية في حال عدم توقيع اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي، وتصل إلى 16 مليار دولار، وهو ما يشكل تقريبا 7% من حجم الصادرات البريطانية نحو الاتحاد الأوروبي.

وتزيد متاعب الاقتصاد البريطاني -حسب المؤسسة الأممية- بانتقال الآثار السلبية إلى الدول غير الأوروبية، التي تربطها علاقات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي، مثل تركيا والمكسيك وكندا وجنوب أفريقيا، فهذه الدول سترفع الرسوم على البضائع البريطانية بمجرد خروج المملكة من التكتل الأوروبي، علما أن ثلث الصادرات البريطانية يتجه للاتحاد الأوروبي والثلث الثاني يتجه لدول لها اتفاق تجاري مع الاتحاد؛ مما يعقد الوضع أمام المنتجات الحاملة لعلامة "صنع في المملكة المتحدة".

أما وكالة "بلومبيرغ" الاقتصادية، فاختارت تخصيص دراسة لقياس حجم الخسارة التي تكبدها الاقتصاد البريطاني منذ بدء مسار البريكست سنة 2016، وكانت النتيجة صادمة، بوصول حجم الخسائر إلى 170 مليار دولار، وتتوقع الدراسة أنه في حال عدم التوصل لاتفاق خلال هذه السنة سترتفع خسائر اقتصاد المملكة المتحدة إلى مئتي مليار دولار.

البنك المركزي البريطاني أكد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيعرض اقتصاد البلاد للانكماش (الأوروبية)

الاستعانة بصديق
بمجرد أن ينهي رئيس الوزراء بوريس جونسون كل الإجراءات القانونية المتعلقة بخروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، مع نهاية يناير/كانون الثاني، سيتجه مباشرة إلى واشنطن التي سيحل فيها ضيف شرف فوق العادة.

وتتحدث بعض التقارير الإعلامية البريطانية عن أن جونسون سيلقي خطابا أمام أعضاء مجلسي الكونغرس والشيوخ، للحديث عن التعاون بين البلدين، وفي المقدمة التعاون الاقتصادي؛ ليكون من بين زعماء قلائل تتاح لهم فرصة توجيه خطاب لكل أعضاء البرلمان الأميركي بغرفتيه.

ومن المفهوم أن يولي جونسون وجهه شطر الولايات المتحدة، فهو يراهن على توقيع اتفاق تبادل حر، يقيه خسائر الانسحاب من دون اتفاق من الاتحاد الأوروبي، وتبلغ حاليا حجم المبادلات بين لندن وواشنطن 262 مليار دولار، وهو رقم يعادل تقريبا ثلث المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي التي تصل إلى 721 مليار دولار.

وينتظر بوريس جونسون من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يفي بوعوده السابقة، بإبرام اتفاق تجاري هو "الأضخم في التاريخ" بمجرد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتبعث واشنطن الكثير من رسائل الطمأنة للحكومة البريطانية من خلال حديث المبعوث الأميركي الخاص في بريطانيا لكون الرئيس "متحمسا جدا" لإبرام اتفاق تجاري مع المملكة المتحدة.

ولم يدخر بوريس جونسون أي جهد في تذليل الكثير من الصعاب لإبرام هذا الاتفاق، ولا أدل على ذلك، من قيامه بحذف الالتزام بالمعايير الأوروبية في ما يتعلق بالمواد الغذائية، من قانون الخروج من الاتحاد الأوروبي، والسبب أن هذه المعايير كانت ولا تزال العقبة أمام المفاوضات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولا يريد جونسون أن تقف في وجه عقده صفقة تجارية مع الاقتصاد الأكبر في العالم.

وتشير التوقعات الرسمية الأميركية إلى أنه في حال توقيع الاتفاق بين البلدين سترتفع المبادلات التجارية بين ضعفين وثلاثة أضعاف، وهو ما يعني وصولها إلى ستمئة مليار، وهو الرقم الذي يمكن أن يقلص حجم خسائر الاقتصاد البريطاني في حال فشل جونسون في الوصول إلى اتفاق مع الأوروبيين.

ولن تكون مهمة جونسون سهلة لا في التفاوض مع الأميركيين، ولا مع الأوروبيين، فهناك الكثير من التفاصيل المعقدة، خاصة تلك المتعلقة بالحدود الإيرلندية، ومعايير المواد الغذائية التي ستدخل السوق البريطاني، إضافة إلى وضعية المركز المالي في لندن، وكيف يمكن الحفاظ عليه كأكبر مركز مالي في العالم، وعدم انسحاب رؤوس الأموال الأوروبية منه.

المصدر : الجزيرة