الجيش والشرطة بدلا من الباعة الجائلين بمصر.. تنظيم أم تربح؟

منافذ بيع تابعة للجيش والشرطة وحزب مستقبل وطن احتلت أماكن الباعة الجائلين في القاهرة (الجزيرة)
منافذ بيع تابعة للجيش والشرطة وحزب مستقبل وطن احتلت أماكن الباعة الجائلين في القاهرة (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة 

يمر سنجاب (اسم بائع متجول) كل صباح أمام مقر عمله القديم على رصيف شارع الإسعاف بوسط القاهرة، ويتوقف لثوانٍ متأملا بأسى تلك البقعة التي كان يفترشها على الأرض، لا ينازعه فيها أحد من شركاء الرصيف، والتي نهض مكانها اليوم منفذ بيع تابع لوزارة الداخلية. 

هذان المتران المربعان كانا مصدر رزقه، قبل أن تمنحه الحكومة مكانا بديلا في منطقة الترجمان على بعد ميلين من مكانه الأصلي، حيث توجد محطات حافلات ومحلات تجارية فشلت الحكومة في تسويق معظمها، وبالتالي فالزبائن قليلون جدا مقارنة بمكانه القديم في شارع الإسعاف، كما يقول سنجاب. 

"لقد خدعتنا الحكومة لتسلب أماكننا لصالحها" يؤكد سنجاب أنه وزملاءه الذين أجبروا على إخلاء مناطقهم كانوا يعلمون من البداية بتدهور حالة المكان الجديد، لكنهم قبلوه بوعد من الحكومة بتنشيطه، مضيفا "لم يكن لنا خيار آخر، إما هذا المكان أو لا شيء". 

وبدا من حديث الجزيرة نت مع عديد من الباعة الجائلين أنهم اعتقدوا أن الحكومة ستتركهم للأبد مكافأة على أدوارهم في مهاجمة ثوار يناير/كانون الثاني 2011، ثم مهاجمة مظاهرات مناصري الرئيس الراحل مع محمد مرسي عقب عزله صيف 2013، حيث كانت تستغل الباعة الجائلين في مطاردة المتظاهرين بوصفهم مخربين وعملاء.

الباعة الجائلون يهربون من رصيف تحتكره المؤسسات الرسمية إلى أرصفة جانبية (الجزيرة)

انتفاضة برلمانية
معظم مناطق الباعة اليوم تحتلها منافذ بيع ثابتة ومتنقلة تابعة لمؤسسات مختلفة، أهمها الجيش والشرطة إضافة إلى حزب مستقبل وطن الموصوف بأنه الذراع السياسية للرئيس عبد الفتاح السيسي، كما تداول مستخدمو التواصل الاجتماعي صورا لمجندين يفترشون الأرض مكان هؤلاء الباعة لبيع بضائع ومنتجات غذائية، وهو ما أثار أسى الكثيرين. 

وتوالت خلال الأيام القليلة الماضية تصريحات برلمانيين بضرورة "إحكام الحكومة سيطرتها على الشوارع والميادين وإجلاء الباعة الجائلين"، مع الإعلان عن الاتجاه لإقرار قوانين جديدة تشدد ضبط الأمر لصالح هيمنة الدولة، لمنع عودتهم في كل مرة كما اعتاد الباعة. 

ويؤكد البرلمانيون أن من شأن هذه الانتفاضة البرلمانية ضد الباعة الجائلين أن تؤدي إلى تنظيم الشارع المصري لإنقاذه من الفوضى المرورية والتجارية التي تجعله سوقا ضخما لمنتجات مجهولة الهوية وصينية وخارج الرقابة. 

سيارات تابعة للشرطة والجيش انتشرت في شوارع القاهرة لبيع اللحوم والخضروات ومواد تموينية بأسعار مخفضة (الجزيرة)

وقالت النائبة هالة أبو السعد إنها ستقدم مشروع القانون مع بداية دور الانعقاد الخامس لمناقشته خلال الربع الأول من الدورة البرلمانية، محذرة من أن الظاهرة انتشرت بشكل كبير مؤخرا. 

وتابعت أبو السعد في تصريحات صحفية أن القانون يتضمن إجراءات تنظيم عمل الباعة الجائلين، بما يضمن حقوقهم. 

بدورها، تقدمت النائبة أنيسة حسونة بطلب إحاطة عاجل للحكومة بشأن الباعة الجائلين وباعة الأرصفة، وقالت في الطلب الذي تقدمت به للبرلمان إن أغلب البضاعة مسروقة، ولا يوجد من يراقب سير هذه البضاعة بين الباعة، مما يعرض الناس للنصب بسبب رداءة هذه البضاعة. 


إساءة للجيش
أما سالم -وهو بائع جاء من الصعيد يفترش ركنا في ميدان الجيزة- فيعتقد أن إخلاء هذه المناطق المميزة والعامرة بالمارة جاء لصالح مؤسسات القوة، مضيفا للجزيرة نت "طمعوا في مصدر رزق أولادنا لكي تزيد مكاسبهم كما فعلوا في كل شيء". 

سالم الحاصل على مؤهل عالٍ من جامعة أسيوط جنوبا، يقول إن ما تفعله الداخلية والجيش بنشر منافذهما التجارية يسيء إليهما كمؤسسات لها هدف أكبر، ويصرفهما عن مجالاتهما الأساسية، مشيرا إلى أنه خدم في الجيش مجندا ويسوؤه أن يرى المجندين باعة جائلين. 

افتراش المجندين الأرصفة مكان الباعة الجائلين يثير أسى المصريين بينما يؤكد السيسي أنه لخدمتهم (مواقع التواصل الاجتماعي)

وتشن الأجهزة التنفيذية خلال هذه الأيام حملات مكبرة لإزالة إشغالات الباعة الجائلين والمخالفات التي تعوق حركة سير السيارات والمواطنين. 

وتثني سوسن -وهي موظفة بالطب الشرعي- على ما تفعله الدولة مع هؤلاء الباعة، فالعشوائية تضرب كل الشوارع بسببهم، فلا يستطيع راكبو السيارات السير أو ركن سياراتهم بسبب احتلال الباعة كل الأماكن، ولا يتمكن الراجلون من المشي على أقدامهم. 

وترى المتحدثة أن إحلال منافذ الجيش والشرطة مكانهم من شأنه إفادة الجمهور بأسعار مناسبة وفي أماكن مرورهم وبشكل حضاري. 

حملات مكثفة لإجلاء باعة الأرصفة لصالح منافذ بيع تابعة للشرطة والجيش (الجزيرة)

أما عز -وهو موظف حكومي- فهو يرى أن تزايد الحملات هدفه إخلاء الساحة لمنافذ الجيش والشرطة التي انتقدها واعتبر أن أسعارها مخادعة، فاللحوم مثلا تباع بنحو ثمانين جنيها مقابل الكيلو، وهو أقل من سعر السوق، لكن حقيقة الأمر أن الكيلوغرام في هذه المنافذ عبارة عن 800 غرام فقط وليس ألف غرام كاملة "إذًا فسعره كسعر السوق أو قريب منه" على حد قوله. 

ويؤكد عز أن هذه السياسة تنسحب على جميع المنتجات، فالمنافذ تستهدف الربح، لذا أزيح باعة الأرصفة، في حين كانت أسعارهم رخيصة فعلا، ومناسبة لمحدودي الدخل من المصريين. 

ومع تصاعد الانتقادات لتدخل الجيش والشرطة في الأعمال التجارية، يدافع السيسي كل مرة عن تلك السياسة، مؤكدا أنه يريد إجبار آليات السوق على الخضوع لأسعار الدولة عبر وفرة المعروض من المنتجات الجيدة بأسعار منضبطة. 

المصدر : الجزيرة