الضفة على خطى غزة.. الاحتلال يقطع الكهرباء

فادي العصا-بيت لحم

استنكر الفلسطيني إبراهيم جمعة -الذي يعمل في منجرة للخشب في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية- قطع التيار الكهربائي عنه، لأنه ملتزم بدفع الفاتورة الشهرية منذ أكثر من عشرين عاما.

يقطع إبراهيم الخشب بمنشار كهربائي، ويعتبر أنه سيتعرض للظلم من قطع الكهرباء عن منجرته التي تعتمد بشكل شبه كامل على التيار.

وأعلنت شركة الكهرباء الإسرائيلية أنها ستقنن التيار الداخل إلى الضفة الغربية والقدس عن طريق شركات كهرباء فلسطينية، بسبب تراكم الديون المالية عليها.

سامح دعنا صاحب مخبر في بيت لحم، يقول للجزيرة نت إنه جهّز مولدا كهربائيا لوقت انقطاع الكهرباء، وهو ما يمكن أن يحل المشكلة مؤقتا، لكن عمله لن يكون كما هو في حال استمرار التيار الكهربائي.

خراب بيت
يرتب عبد الرحمن صلاح بضاعته في إحدى ثلاجات محله الكبيرة، معتبرا أن قطع الكهرباء لساعتين أو ثلاث سيتلف كل بضاعته في الثلاجات، وسيوقف عمله لأنه معتمد بشكل كامل في البيع والشراء على جهاز للحاسوب في تسجيل الطلبيات ودفعها وبيعها، واصفا ذلك بأنه "خراب بيت".

وتقدم شركة كهرباء محافظة القدس الفلسطينية خدمات وصل التيار الكهربائي الذي تستلمه من الشركة الإسرائيلية للمواطنين الفلسطينيين في أربع محافظات، هي: القدس، وبيت لحم، ورام الله والبيرة، وأريحا والأغوار، والتي يعيش فيها قرابة مليون فلسطيني.

وأبلغت الشركة الإسرائيلية الشركة الفلسطينية بأن ديونها المالية متراكمة، وأنها ستقطع التيار الكهربائي القادم من مولداتها، مما دفع شركة كهرباء القدس لإبلاغ المواطنين الفلسطينيين في مناطق معينة في المحافظات التي تخدمها أن القطع سيتم لساعات تم الإعلان عنها، ويبدأ من اليوم الأحد.

النجار إبراهيم جمعة تم قطع الكهرباء عنه رغم التزامه بدفع فاتورة الكهرباء منذ عشرين عاما (الجزيرة)

أسباب سياسية
اعتبر مدير شركة كهرباء محافظة القدس فرع بيت لحم المهندس جواد أبو زر أن قطع التيار خارج عن إرادة الشركة ولم تتعامل معه ولن تدير هذا القطع، وقال إن السبب الحقيقي في قطع التيار سياسي وليس ماليا، لأن الديون التي تطالب بها الشركة الإسرائيلية هي 700 مليون شيكل (قرابة 200 مليون دولار أميركي)، في حين أن الفاتورة الشهرية للشركة هي قرابة 120 مليون شيكل (قرابة 35 مليون دولار أميركي)، أي أن الديون لا تتجاوز مصروفات خمسة أشهر من الكهرباء، ولا تقضي القيام بإجراءات تمس بحياة المواطنين بشكل مباشر.

يصف أبو زر في حديثه للجزيرة نت أن شركته التي أُسست عام  1914 خلال الحكم العثماني لفلسطين، تعمل وفق بيئة معقدة جدا، فهي شركة فلسطينية أجبرت على إيقاف مولداتها الخاصة بها منذ أكثر من ثلاثين عاما، والتعامل المباشر مع الشركة الإسرائيلية، وهي تعمل في ظل ثلاثة قوانين.

ففي مدينة القدس تعمل تحت القوانين الإسرائيلية، وفي الضفة تعمل في مناطق "أ" و"ب" تحت القانون الفلسطيني، لكن المناطق "ج" -بحسب اتفاق أوسلو- تحت سيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية.

ورغم كل ذلك فإن الشركة اعتادت على هذه الحال، على الأقل منذ 25 عاما بعد قدوم السلطة الفلسطينية، خاصة أنها تسدد فاتورة مدينة القدس أولا بأول كون القانون الإسرائيلي يمكّن الشركة الإسرائيلية من حجز ممتلكات الشركة الفلسطينية إذا ما تراكمت الديون، وحتى أنها تستطيع بيع أصولها وممتلكاتها.

مدير شركة كهرباء محافظة القدس اعتبر أن سبب قطع التيار سياسي وليس ماليا (الجزيرة)

تيار واحد بمناطق مختلفة
ويكون تسديد الديون عن القدس أولا حفاظا على الشركة وعدم تعرضها للحجز من قبل الشركة الإسرائيلية، وتخشى في حال وقوع هذا الحجز أن يتم اقتطاع مناطق من امتيازها وممتلكاتها لصالح شركة الكهرباء الإسرائيلية.

إضافة إلى أن المستوطنين في البلدة القديمة من القدس الذين سيطروا على بيوت فلسطينية، يرفعون قضايا في المحاكم الإسرائيلية وصلت إحداها للمطالبة بـ400 مليون شيكل (قرابة 115 مليون دولار أميركي)، بحجج عدم جودة الخدمة من الشركة الفلسطينية، رغم أن الشركة تقدم خدمة ذات موثوقية عالية وتبنت أنظمة تكنولوجية بمستوى عالٍ للحفاظ على استمرارية التيار الكهربائي، وهي لا تملك سوى الدفاع عن نفسها أمام القانون الإسرائيلي مما يكلفها مبالغ مالية طائلة.

يتحدث أبو زر للجزيرة نت أن هناك مشاكل تتعلق بالفاقد في مدينة القدس الذي يصل إلى 35%، فيما لا يتجاوز في الضفة 15%، وهناك تعقيدات في عملية الصيانة لأن التيار واحد، ولكنه يمر من مناطق بسيادات سياسية وأمنية وقانونية مختلفة.

واعتبر أن ما يحصل من تقنين للتيار الكهربائي سيؤثر على جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية.

استنكرت وزيرة الصحة الفلسطينية قطع الكهرباء معتبرة أن إسرائيل لم تراع أي ميثاق أو قانون دولي (الجزيرة)

استنكار رسمي
أصدرت وزيرة الصحة الفلسطينية الدكتورة مي كيلة بيانا استنكرت فيها قطع التيار الكهربائي عن محافظات فلسطينية، معتبرة أنه يهدد حياة المرضى في المستشفيات والمراكز الطبية، وخاصة الحالات الطارئة، ويتلف أطنانا من الأدوية الطبية، إضافة إلى أثره الكبير على كل مناحي الحياة الأخرى وخاصة الطعام.

وقالت كيلة إن قطع الكهرباء عن الفلسطينيين هو عقاب جماعي، لأن إسرائيل لم تراعِ أي ميثاق أو قانون أو عرف دولي في خطوتها هذه، معتبرة أن شركة كهرباء محافظة القدس -وهي شركة خاصة- بذلت كل ما بوسعها حتى تحافظ على التيار الكهربائي وخدمتها للفلسطينيين، في ظل تعنت إسرائيلي.

وتغذي شركة الكهرباء الإسرائيلية أكثر من 90% من التيار الواصل إلى الضفة والقدس، عن طريق بيعه لشركات فلسطينية توزعه على الفلسطينيين أو عن طريق البلديات والمجالس القروية الفلسطينية.

ويحاول الفلسطينيون منذ فترة طويلة شراء مولدات كهربائية لإنتاج الكهرباء الخاصة بهم، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع ذلك، مما يبقي أصل التيار بيد الشركة الإسرائيلية للكهرباء للسيطرة على ما يصل إلى الفلسطينيين في الضفة والقدس، وهو ما يهدد الضفة ويجعلها تعاني انقطاعا للتيار الكهربائي كما الحال في قطاع غزة.

المصدر : الجزيرة