مأكولات النخبة على الطرقات.. متى يستفيد المغرب من زراعة الأحياء المائية؟

محار مدينة الواليدية بالمغرب يعدّ الأجود عالميا (الجزيرة)
محار مدينة الواليدية بالمغرب يعدّ الأجود عالميا (الجزيرة)

مريم التايدي-الواليدية/المغرب

تقدم في المطاعم الفاخرة ويتباهى "الذواقون" بأكلها نيئة وتعد من مأكولات النخبة، لكن بمدينة الواليدية (جنوب الدار البيضاء) قد تصادف المحار وأجود الصدفيات البحرية عند بائع متجول.

يحوّل محمد (26 سنة) نشاطه المهني من عامل بناء إلى بائع متجول للمحار كل موسم صيف.

يحمل صدفيات ومحارا متنوعا فوق دراجته الهوائية ويجوب بها شوارع المدينة، عدته سكين حاد وحبات الليمون وتقنية فتح المحار وابتسامة.

يعرف محمد أن ليس كل زبنائه من عشاق المحار، فمنهم من يحب تجربة التذوق، لهذا يعرف كيف يقنع المقبلين على تجارته بالتحفيز وتعداد منافع المحار النيء وقيمته الغذائية.

مهرجان وإشعاع
في منظر ليس معتادا في غيرها من المدن، يقف المصطافون وزوار المدينة ليقتنوا حبات "زويتر" يأكلونها وهم واقفون مع عصير الليمون، ومنهم من يعد وليمة شواء "اللونغوست والكروفيت الملكي" على جنبات البحيرات، علاوة على الأطباق الفاخرة من أصل السمك التي تقدمها المطاعم بالمكان.  

الواليدية أو "جوهرة المحيط"، هي قرية الصيادين القديمة التي أصبحت اليوم تعرف إشعاعا وطنيا وعالميا بفضل ثروتها من المحار والقشريات التي يُشهد لها بالجودة من كل زوار المنطقة والمغاربة والأجانب.

وتتوفر الواليدية على محطة لإنتاج المحار، وبها سبع مزارع محار نشيطة، وينظم بها مهرجان سنوي خاص بالمحار.

محار الواليدية يعد الأجود عالميا (الجزيرة)

نشاط قديم
تعود أولى التجارب الاستثمارية في مجال تربية الأحياء البحرية بالمغرب إلى أواسط الخمسينيات حيث تم إدخال تربية المحار إلى منطقة الواليدية.

يقصد بتربية الأحياء المائية استزراع الكائنات المائية في المناطق الساحلية والداخلية من أجل تعزيز الإنتاج.

يقول الخبير الدولي في الصيد البحري محمد الناجي إن زراعة الأحياء المائية بالمغرب نشاط قديم بدأ في الخمسينيات من القرن الماضي، وبقي في مستوى متواضع إلى حدود 2009 مع انطلاق إستراتيجية "اليوتيس" (إستراتيجية أطلقها المغرب عام 2009 لتطوير قطاع الصيد البحري ودراسة أبرز التحديات التي تواجهه) وإنشاء الوكالة الوطنية لتنمية وتربية الأحياء المائية في 2011.

وكانت دراسة تحت عنوان "تربية الأحياء المائية بالمغرب.. المؤهلات وضرورة التنمية"، قد أفادت بأن قطاع تربية الأحياء المائية بالمغرب أنتج سنة 2016 ما مجموعه 510 أطنان بقيمة تسويقية بلغت 21 مليون درهم (2.1 مليون دولار).

ويمثل المحار نسبة 72% وسمك الدرعي 26% من إجمالي إنتاج تربية الأحياء المائية بالمغرب، توجه أساسا إلى السوق الداخلية لتزويد تجار التجزئة وأسواق الفنادق والمطاعم.

وحسب الوكالة الوطنية لتنمية وتربية الأحياء البحرية، فإن تربية المحار تشكل النشاط الرئيسي في مجال تربية الأحياء البحرية بالمغرب بإنتاج يتجاوز 400 طن سنويا وبعدد مهم من المقاولات في طور الإنشاء بالداخلة وجهات أخرى.

مرحلة للدراسة
أوضح الناجي، الخبير المعتمد لدى منظمة الزراعة والأغذية (فاو)، للجزيرة نت أن الوكالة الوطنية لتنمية وتربية الأحياء المائية انكبت على دراسة المشاريع ووضع مخططات التهيئة، عبر دراسة معمقة للمؤهلات الطبيعية والإمكانات المتاحة للاستزراع على طول الساحل.

ويطمح المغرب إلى جعل تربية الأحياء المائية محركا للنمو في قطاع الصيد البحري، إلا أن "أهدافه كانت جد طموحة مقارنة مع الإمكانات والواقع"، بحسب تعبير الناجي.

ويوضح محمد الناجي أن مخططات التهيئة وصلت للمراحل الأخيرة، وأن أُسس الاستزراع بُنيت، مشيرا إلى أن بعض المشاريع في طور التنزيل، وأن المرحلة المقبلة مرحلة الاستثمار وتطوير الإنتاج.

محار فاخر يباع بالطرقات في مدينة الوالدية المغربية (الجزيرة) 

أجندة متأخرة
بعد عشر سنوات من انطلاق إستراتيجية "اليوتيس" وثماني سنوات منذ إنشاء الوكالة، لا يزال المغرب يراوح مكانه بخصوص تطوير وإنتاج تربية الأحياء المائية، ولا تزال معظم العروض تظهر أن القطاع في بدايته.

وهدفت إستراتيجية تنمية قطاع تربية الأحياء البحرية إلى إنتاج 200 ألف طن في أفق 2020، والوصول إلى 11% من الإنتاج الإجمالي للصيد البحري الذي يُرتقب أن يصل إلى 1.75 مليون طن في السنة ذاتها.

في هذا السياق، يعتبر محمد الناجي أن الأهداف لم تكن دقيقة في الجدولة، وأن القطاع احتاج مدة طويلة للدراسة، مشيرا إلى أن الوكالة انطلقت من فراغ سواء في الجانب التشريعي أو في جانب دراسة المشاريع، وقضت وقتا في البحث العلمي والتقني وتحديد الأنواع الصالحة للاستزراع بحسب كل منطقة على حدة، وبنت الأسس الضرورية، وهذا مهم، بحسب تعبيره.

ويرى الناجي أن الساحل المغربي لا يوفر أماكن محمية طبيعيا، ويتعرض لتقلبات مناخية، مما يجعل الاستزراع المائي فيه يحتاج لاستثمارات كبيرة ومعدات مكلفة.

وقال الناجي إن الجانب التحفيزي بالقطاع ضعيف جدا، وإنه لا يمكن للاستثمار أن ينطلق في هذا القطاع وأن يصل للأهداف التي رسمت له دون سياسة تحفيزية، مشيرا إلى أن التجارب على مستوى البحر الأبيض المتوسط اعتمدت على جهاز تحفيزي.

ويعرف قطاع تربية الأحياء المائية، حسب الناجي، معيقات عديدة أخرى منها الجانب القانوني المتعلق باستغلال المجال والتنافس الذي يعرفه بين القطاعات، وأوضح أن مدونة قانونية خاصة بتربية الأحياء المائية تتابع مسارها التشريعي لتمكين القطاع من بنية قانونية داعمة.

ويواجه القطاع أيضا تحدي التسويق لتجاوز منتجاته القدرة الشرائية للمواطن، مما يستدعي رفع الإنتاج لتخفيض الكلفة.

ويتوقع إطلاق 140 مشروعا جديدا في القطاع قريبا، فهل يتخطى المغرب عتبة البدايات ويسير في اتجاه تحقيق هدف إستراتيجيته؟ أم يتوقف عند الدراسات؟

المصدر : الجزيرة