خفض أسعار الفائدة بمصر.. من سيربح الصغار أم الكبار؟

البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بعد مؤشرات على انخفاض التضخم (الأوروبية)
البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بعد مؤشرات على انخفاض التضخم (الأوروبية)

عبد الله حامد-القاهرة

قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري قبل أيام خفض سعر الفائدة الأساسي بنسبة 1.5%، وتبع القرار اتخاذا بنوك عدة إجراءات لخفض الفائدة على شهادات الادخار والودائع بنسب تتراوح بين 1% و 1.5%.

وأشاع القرار ارتياحًا لدى خبراء اعتبروه خطوة مهمة تتجاوب مع معطيات جديدة منها انخفاض التضخم، بحسب بيانات رسمية، كما أنه سيؤدي لتنشيط الاستثمار المحلي واجتذاب المستثمرين الأجانب للسوق المصري، في حين اعتبره محللون آخرون خطوة اضطرارية تعفي الحكومة من تبعات فوائد الدين، دون أثر لصالح المستثمرين.

وتعالت مخاوف صغار المودعين الذين باعوا قبل سنوات ممتلكات لهم وأودعوا أموالهم في أوعية ادخارية، كانوا يحصّلون بموجبها عوائد جيدة، توفر لهم تدفقات مالية دورية تفي باحتياجاتهم الأساسية كأفراد وأسر.

وتراهن الحكومة بقرار خفض الفائدة على مضاعفة إقبال المستثمرين على الاستثمار المباشر، وسحب جانب من صغار المدخرين مدخراتهم واستثمارها في السوق مباشرة تحقيقا لعوائد أعلى.

ضحايا الخفض
رمضان أحمد، وهو بالمعاش، يبدي تمسكه بعوائد مدخراته التي كانت تدر عليه عائدا سنويا -قبل التخفيض- يبلغ نحو 41 ألف جنيه (الدولار بـ16.5 جنيها)، هي نتاج ودائعه بأحد البنوك الخاصة.

ورغم هذا التخفيض والمزيد من التخفيضات المنتظرة، يرجح رمضان ألا تجبره هذه الإجراءات على سحب مدخراته، "فلا خبرة استثمارية لديه"، لذا فهو مستمر في الاعتماد على عوائد الودائع رغم تقلصها، ليخفض هو نفقاته بالتبعية.

وبالمثل سيخفض أحمد علي نفقاته، وكان صاحب ورشة للرخام في مدينة 6 أكتوبر غرب القاهرة، لكنه أغلقها وسرح عمالتها عقب انحسار وركود النشاط.

المتعاملون مع البنوك المصرية يتخوفون من أثر خفض الفائدة (رويترز)

وضع أحمد عوائد بيع سيارته وورشته في شهادات ادخار، تدر عليه عائدا سنويا ثابتا، وهو يتوقع ألا يسهم خفض الفائدة في إعادته للاستثمار مجددا، إلا إذا تحسن مناخ الاستثمار الذي سبق أن أجبره على وقف نشاطه، مهاجما سياسات الحكومة التي "أفلست المستثمرين وها هي تفقر المودعين".

ويتحدث مصريون عن عدم شعورهم بـ"التراجع المزعوم للتضخم"، الذي بررت به الحكومة خطوتها بخفض الفائدة، كما أن الأسعار "نار"، حسب وصفهم، ولن تتراجع. فلم يتراجع شيء عما كان عليه، كما أن واقع معيشتهم أصدق من مؤشرات وأرقام الحكومة.

لا بدائل
يبدي الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي ممدوح الولي تفهما لفزع المودعين من خفض سعر الفائدة، مؤكدا أن عوائد ودائعهم ستقل بالطبع، وأغلبهم في الوقت نفسه مجبرون على الاستمرار في إيداعها بالبنوك، "فلا بديل لديهم".

ويقول الولي في حديثه للجزيرة نت إن تلك الشريحة "لا خبرة لها" بباقي مجالات الاستثمار كالبورصة والعقار والعملات والذهب، كما أن صغر قيمة أموالهم تحول دون الاتجاه إلى بديل مثل العقار المرتفع القيمة، بالإضافة إلى أنه يصعب عليهم تنويع استثماراتهم في أكثر من مجال كشرط للاستثمار.

ويستبعد الولي أن تنعكس هذه الخطوة إيجابا بزيادة الاستثمارات في السوق، "فما زال مناخ الاستثمار غير جاذب للاستثمار الأجنبي وما يصل لمصر من الاستثمارات معظمها في البترول والغاز الطبيعي، فضلاً عن أن معدل الفائدة بعد انخفاضه بمصر ما زال عاليا بالمقارنة بما هو عليه بالخارج، مما لا يعد أمرا جاذبا للاستثمارات".

ويؤكد المتحدث أن مطلب المستثمرين ما زال يرتكز على مزيد من خفض الفائدة حتى مستوى 8% على الأقل، وألمح إلى أن الدوافع للاستثمار المحلي لا تتوقف فقط على الفائدة، فما زالت هناك "معوقات" عديدة أمام التوسعات بالشركات القائمة أو المشروعات الجديدة من "بيروقراطية وجباية وبطء قضاء وعدم استقرار سياسي".

أصحاب الأنشطة الصغيرة تحولوا للاعتماد على الودائع ومن المستبعد عودتهم للاستثمار مجددا (الجزيرة)

إيجابيات مرهونة
رأى الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار أن تخفيض سعر الفائدة الأساسي بنسبة 1.5% هو خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح نحو تقليل أعباء تمويل خدمة الدين العام، وتشجيع الاستثمار، وإفساح المجال للتحول من التركيز على قطاعي العقارات وتجارة التجزئة إلى الصناعات التحويلية والصادرات، والمساعدة على تحريك سوق العقارات وإخراجه من حالة الركود الراهنة.

ولفت إلى أن سعر الخصم الجديد الذي أعلنه البنك المركزي (14.75%) يزيد عن معدل التضخم السنوي لشهر يوليو/تموز الماضي البالغ 8.7% بنحو ست نقاط مئوية، وهو ما يعني استمرار العائد على المدخرات المالية داخل حيز إيجابي.

وفي تقديره فإن ذلك من شأنه أن يشجع القطاع العائلي على الادخار في الأوعية المصرفية المختلفة ومنها شهادات الاستثمار، كما أن تخفيض سعر الفائدة بنسبة 1.5% يعني نظريا تخفيض عبء خدمة الدين العام أو مدفوعات الفوائد بحوالي ستة مليارات جنيه، وهو ما سيساعد الحكومة على تخفيض قيمة العجز المالي المستهدف في موازنة العام الحالي.

من ناحية أخرى، فإن قرار البنك المركزي يتماشى مع الاتجاه العالمي لأسعار الفائدة المنخفضة على العملات الرئيسية، وتوقعات استمرارها عند مستويات منخفضة حتى نهاية العام الحالي على الاقل، بحسب نوار.

ويرهن نوار الاستفادة من خطوة تخفيض الفائدة بتخفيض الدين العام، وزيادة الاستثمار العام والخاص، والحد من الاستهلاك والإنفاق الحكومي غير الكفء الذي ينطوي على إهدار للموارد، والقدرة على توسيع الطاقات الإنتاجية وزيادة التشغيل والصادرات.

ويؤكد في منشور له بصفحته الشخصية في فيسبوك أن البنك المركزي لا يزال لديه مساحة واسعة للمناورة وتخفيض أسعار الفائدة مرة أخرى على الأقل قبل نهاية العام الحالي.

المصدر : الجزيرة