"نكعها_واشرب_ميها".. حملة احتجاج للخريجين في العراق

عشرات من حملة الشهادات أثناء احتجاج في بغداد للمطالبة بتوفير فرص عمل (الجزيرة نت)
عشرات من حملة الشهادات أثناء احتجاج في بغداد للمطالبة بتوفير فرص عمل (الجزيرة نت)

علي الرسولي- بغداد


حقق حلم والده الذي فارق الحياة مقتولا، وأكمل مسيرته العلمية طالبا العلا وساهراً الليالي، ولكنه وقع ضحية ندرة فرصة العمل في القطاع الحكومي، فضلا عن انعدامها في القطاع الخاص الذي لم ير قانونه النور حتى الآن.

عمر علي شاب عراقي حاز البكالريوس في العلوم المالية والمصرفية، حاله كحال الآلاف من أقرانه في العراق بمختلف اختصاصاتهم، إذ لم يجدوا فرصة عمل في القطاع الحكومي رغم كونهم من حملة الشهادات، ليجدوا أنفسهم مضطرين لإطلاق حملة "#نكعها_واشرب_ميها"، في إشارة إلى أن الشهادة باتت لا تعني شيئا في بلد يعطي الأولوية للمنتمين إلى الأحزاب والتيارات السياسية، وإن لم يكونوا من ذوي الاختصاص.

أما آخرون من حملة الشهادات العليا فيواصلون منذ يونيو/حزيران الماضي اعتصامهم أمام الوزارات ذات العلاقة للمطالبة بتوفير درجات وظيفية لهم، ولكن تبدو مطالباتهم هذه بلا جدوى.

محتجون من حملة الشهادات يطالبون بتوظيفهم (الجزيرة نت)

استنزاف للدولة
يرى الخبير الاقتصادي محمد ماجد أن خطرا دائما يلاحق العراق، فاقتصاده ريعي مرهون بسوق النفط العالمية التي تخضع للعرض والطلب، والعاملون في قطاع الحكومة لا نتاج يذكر غير قضاء ساعات العمل المخصصة لهم مع مجهود بسيط لا يتعدى 17 دقيقة يوميا، وفقا لإحصائية حكومية.

وفي حديث للجزيرة نت، أشار ماجد إلى وجود نحو خمسة ملايين موظف في دوائر الدولة، أي أن موظفا واحدا يقدم الخدمات لكل سبعة مواطنين بالنظر إلى عدد سكان العراق الذي يتجاوز حاجز 36 مليونا، وهو ما يعني أن هناك زيادة كبيرة في أعداد الموظفين مقابل خدمات بسيطة تكاد تكون معدومة.

ويضيف أن أكثر من ثلاثة ملايين متقاعد ومليوني مواطن تحت خط الفقر مسجل في ما يعرف بشبكة الإعانة الاجتماعية، تتكفل الدولة برصد رواتب متباينة لهم من خزينة الدولة.

وفي تعليق على طلبات توفير درجات وظيفية لشريحة خريجي الجامعات، قال رئيس الحكومة عادل عبد المهدي لوسائل الإعلام في وقت سابق، إن الحكومة أغلقت باب التوظيف على ملاكها لعدم وجود طاقة استيعابية لهم، مبررا ذلك بالزيادة الكبيرة في عدد سكان البلاد مقابل اعتمادهم على القطاع الحكومي.

وذكر عبد المهدي أن عدد سكان العراق يزيد سنويا بأكثر من مليون نسمة، وأن هناك حاجة إلى توفير أكثر من 300 ألف فرصة عمل سنويا، وهو ما يصعب تحققه من خلال الدولة، لذلك لا بد من النهوض بالقطاع الخاص وإدخال الاستثمارات إلى البلاد، وإعادة القطاع الزراعي إلى دوره الريادي كما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي.

مجموعة من الشباب المحتجين للمطالبة بوظائف افترشوا الأرض أمام إحدى الوزارات (الجزيرة نت)

اغتيال النمو
من جهته اعتبر الخبير الاقتصادي ملاذ الأمين أن الحكومة ساهمت خلال السنوات الماضية في اغتيال النمو الاقتصادي، موضحا أنه في السنوات الأخيرة دُمرت الزراعة والصناعة ولم تضع الدولة قانونا ينظم عمل القطاع الخاص، فضلا عن فتح الحدود أمام المحاصيل الزراعية والسلع الصناعية من دول الجوار دون فحص أو رقابة، مما أدى إلى تدهور القطاع الزراعي العراقي وهجرة الفلاحين وأولادهم إلى المدن لعدم تمكن مهنة الفلاحة من سد متطلبات العائلة.

ويضيف الأمين أن الأمر ذاته ينطبق على المصانع الخاصة، خصوصا مصانع المواد الغذائية والملابس والنجارة والأدوات الكهربائية، إذ أدى الاستيراد وانخفاض سعر السلع قياسا بالمنتج الوطني إلى إغلاق المصانع الخاصة وتحويلها إلى مخازن للسلع المستوردة، مؤكدا أن هذا الأمر نتج عنه تسريح عشرات الآلاف من العمال وسيطرت السلع الأجنبية على السوق.

وطالب الخبير الاقتصادي الحكومة بتشجيع ودعم الإنتاج الوطني عبر تسهيلات إدارية ومالية وسلف وقروض، لا سيما أن دعم القطاع الخاص يعني توفير مئات الآلاف من فرص العمل التي تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني، وتقنن الاستيراد وتحافظ على العملة الوطنية وتنهي البطالة.

تأمين الرواتب
عمليا بات العراق يستنزف قدراته المالية واحتياطاته "بنظام الاستدانة"، وسط زيادة سكانية وضغط خدماتي وتضخم الاستهلاك واتساع شبكة الفساد، إذ تشير تقارير حكومية إلى أن الحكومة تضطر للاقتراض من أجل تأمين 42 مليار دولار سنويا لتغطية موازنتها التشغيلية ومنها الرواتب.

ولعل جدلية ترجيح صندوق النقد الدولي إحالة 50 ألف موظف على التقاعد سنويا، غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع في العراق، لكون صندوق التقاعد هو الآخر يعاني من اكتظاظ في عدد المحالين عليه عبر قوانين خاصة، وهو ما يعني إثقال كاهل هذا الصندوق الذي ترصد ميزانيته من خزينة الدولة.

المصدر : الجزيرة