مدير تحول لعامل بناء.. هكذا يعوض موظفون فلسطينيون اقتطاع رواتبهم

عوض الرجوب-الخليل

لم ينتظر مدير إحدى المدارس الفلسطينية وزملاؤه انفراج الضائقة المالية للحكومة الفلسطينية لتسديد التزاماته المالية، فسارعوا إلى البحث عن بدائل مؤقتة تساعدهم في تجاوز صعوبات الحياة والتزاماتهم المالية.

توجهت أنظار الأستاذ زياد الدرابيع -وهو مدير مدرسة حكومية- وزميليه فادي عمرو ومحمد الدرابيع إلى عمق الريف وقرروا جميعا العمل على بناء السلاسل الحجرية حول الأراضي غير آبهين لحرارة الطقس وقساوة المهنة.

يشتغل الثلاثة من طلوع الشمس حتى مغيبها ليوفر كل منهم نحو أربعين دولارا يوميا، تساعدهم في الوفاء بالتزاماتهم الأسرية أو للجهات الصرفية وغيرها.

مصاريف عالية
يقول زياد الدرابيع، إنه مضطر لتوفير القسط الجامعي لابنه الذي يدرس التمريض والمقدر بنحو ألف دينار أردني (نحو 1440 دولارا) إضافة إلى حوالي 400 دولار مصاريف شهرية.

ويضيف أنه بصدد تغطية التزامات أخرى للمحلات التجارية والمصاريف العائلية والكهرباء والمياه وغيرها.

عمل السلاسل الحجرية يتطلب مهارة خاصة (الجزيرة)

لا ينظر الدرابيع وزميلاه إلى عملهم من منظور مادي فقط وإن كان أساسيا، بل يعتزون بمساهمتهم في حماية الأرض وإعمارها بما يعزز الصمود والبقاء فيها، ذلك مع حرصهم الدائم على تشغيل مذياع صغير لسماع الأخبار.

وتختلف ظروف المعلم فادي عمرو قليلا كونه يعيل أسرة أغلبها من الأطفال، لكن المفارقة أنه يعلم التكنولوجيا -بينما هو بعيد عنها كليا في عمله- خلال الإجازة السنوية.

أما أستاذ اللغة العربية محمد الدرابيع فيقول -بينما يبتلع ريقه من شدة الحر- إنه يجتهد لتوفير الحليب لأطفاله وتغطية نفقات أسرته واحتياجاتها المتراكمة. 

ورفضت السلطة الفلسطينية أواخر فبراير/شباط الماضي تسلم أموال المقاصة (عائدات الضرائب التي تجبيها إسرائيل من الموانئ نيابة عن السلطة الفلسطينية) والمقدرة بنحو سبعمئة مليون شيكل شهريا (نحو 194 مليون دولار) بعد أن خصمت إسرائيل منها نحو 42 مليون شيكل (11.5 مليون دولار) هي مخصصات الأسرى وذوي الشهداء والجرحى.

وبعد إرجاع المقاصة قررت السلطة صرف نحو 50% من رواتب نحو 160 ألف موظف حكومي، وقالت إنها تصرف كامل مستحقات الأسرى والجرحى وذوي الشهداء.

وقرر مجلس الوزراء الفلسطيني صرف 60% من رواتب الموظفين يوم الاثنين الأول من الشهر الجاري عن شهر يونيو/حزيران الماضي، معلنا تشكيل فريق قانوني مالي لمتابعة جميع حالات القرصنة التي تقوم بها إسرائيل للأموال الفلسطينية.

فادي عمرو يعلم التكنولوجيا خلال الإجازة السنوية (الجزيرة)

استمرار الأزمة
ويقول خبراء إنه من المستحيل أن تتمكن السلطة من صرف الرواتب كاملة دون تسلم المقاصة من إسرائيل. وفي حديث سابق للجزيرة نت حذر الخبير الاقصادي نصر عبد الكريم من انعكاسات سلبية لتراجع الإنفاق الحكومة من نحو ملياري شيكل شهريا إلى خمسمئة مليون شيكل في أحسن الأحوال.

من جهته، يرى الخبير المالي والمستشار المصرفي السابق سعود سويطي أن السلطة ليس أمامها في المدى المنظور سوى اللجوء إلى البنوك لأخذ قروض طويلة الأجل بفوائد تتراوح بين 3.5% و6%.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن هذا الاقتراض يمكّن السلطة من دفع نحو 50% من رواتب موظفيها، مرجحا استمرار الوضع على ما هو عليه حتى نهاية العام الجاري.

واتفق رجال أعمال فلسطينيون مع الحكومة الفلسطينية قبل نحو أسبوعين على توفير قرض مالي بقيمة مئتي مليون دولار لمساعدتها في إدارة أزمتها المالية.

وقال رجل الأعمال الفلسطيني منيب المصري إن القرض سيورد للحكومة اعتبارا من هذا الشهر ولمدة ثلاثة أشهر، بمتوسط خمسين إلى سبعين مليون دولار شهريا.

وذكر أن متوسط نسبة الفائدة على القرض المجمع يبلغ 3%، يستحق في مدة أقصاها عام واحد، وأقلها أربعة أشهر بحسب توافق تم مع وزارة المالية.

الدكتور كامل كتلو: اختلال الحياة الاقتصادية أدى إلى اختلال نمط الحياة اليومي لمن تعودوا على دخل ثابت

انعكاسات اجتماعية
الأزمة المالية ألقت بظلالها على نمط حياة قطاع واسع من الفلسطينيين، فضلا عن تأثيرها المباشر بالقطاع الاقتصادي.

ويقول أستاذ علم النفس في جامعة الخليل الدكتور كامل كتلو إن اختلال الحياة الاقتصادية أدى إلى اختلال نمط الحياة اليومي لمن تعودوا على دخل ثابت.

وأوضح كتلو أن جزءا كبيرا من المواطنين بات يعتمد منذ دخول السلطة على الوظائف، وهو ما أدى إلى اختفاء الاقتصادات البديلة ولم تعد الأسر تعتمد على الاقتصاد المنزلي، رغم أن الصفة الغالبة للسكان هي الريف والطبقة المتوسطة.

وأكد أستاذ علم النفس أن سيكولوجية الناس تعطي أولوية اهتمامها لحاجاتها الأولية وليست الثانوية ذات الأبعاد السياسية، "بالتالي يصبح هَم المواطن أن يكون مشبعا قبل أن يبدأ في البحث عن حاجات أخرى مثل الراحة والرفاهية".

المصدر : الجزيرة