الجزائر.. ضبابية المشهد السياسي تنذر بأزمة اقتصادية حادة

متابعون يعتقدون أن غياب الاستقرار السياسي يهدد بعرقلة تقدم الإصلاحات الاقتصادية (رويترز)
متابعون يعتقدون أن غياب الاستقرار السياسي يهدد بعرقلة تقدم الإصلاحات الاقتصادية (رويترز)

محمد أمير-الجزائر

يتخوف الكثير من الخبراء الاقتصاديين في الجزائر من تأثر الاقتصاد المحلي بسبب الأزمة السياسية الراهنة التي تمر بها البلاد وضبابية المشهد السياسي وانعكاساته على الجبهة الاجتماعية، دون أن تتضح مآلات المرحلة القادمة وموعد انتهاء الأزمة، مما ينذر بأزمة اقتصادية.

ولا يستبعد بعض المختصين أن تدخل الجزائر في أزمة اقتصادية إذا لم يُحل الإشكال السياسي في أقرب الآجال، باعتبار أن الاستقرار الاقتصادي مرتبط ارتباطا وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يشهد اضطرابا ملحوظا في ظل تعنت الآراء وغياب الحلول المستعجلة التي توصل البلاد إلى بر الأمان.

ويهدد عدم الاستقرار السياسي بعرقلة تقدم الإصلاحات الاقتصادية، مما قد ينجم عنه تأجيل إصدار قوانين جديدة تتماشى وقطاعات اقتصادية حيوية على غرار المحروقات، الأمر الذي قد يقوض طموحات البلاد لزيادة أو حتى الحفاظ على مستويات تصدير البترول والغاز.

وقال وزير المالية الأسبق عبد الرحمن بوخالفة في حديثه للجزيرة نت إن اقتصاد الجزائر مربوط بمداخيل وميزانية الدولة، وأي خلل يمس بالميزانية يربك الاقتصاد الوطني، على حد قوله.

وضع مبهم
واعتبر بوخالفة أن الوضع السياسي المبهم الذي تمر به الجزائر سيؤثر على الاقتصاد الوطني ولو بقدر طفيف، لكن استمراره سيكون له أثر سلبي للغاية، رغم أن ميزانية الدولة تغطي العجز لمدة سنتين كاملتين.

وحذر من تأخر الاستحقاقات السياسية المتمثلة في الانتخابات الرئاسية التي يجب أن تكون قصيرة المدى وفي أقرب وقت ممكن، حتى تتفادى الجزائر أزمة اقتصادية هي في غنى عنها.

وأكد وزير المالية الأسبق أن العام 2019 محوري بالنسبة للاقتصاد الجزائري، حيث يجب أن يقفز خلاله إلى ما كان مخططا له، مشيرا إلى أن الجو العام السياسي لا يخدم الاقتصاد، وينقص من عزيمة المستثمرين.

رزيق: الأوضاع السياسية في الجزائر زادت من عمق الأزمة المالية (الجزيرة)

وكشف الخبير الاقتصادي كمال رزيق أن المجتمع الجزائري يعيش منذ أكثر من ثلاثة أشهر حراكا شعبيا ضمن أزمة سياسية أثرت سلبيا على اقتصاد البلاد وزادت من عمق أزمته المالية.

وبحسب رزيق فإن قرار الحكومة السابقة طبع النقود بدلا من الاستدانة من الخارج، ترتبت عليه مشاكل كبيرة، مشيرا إلى أنه في 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي تجاوزت قيمة النقود المطبوعة 50 مليار دولار.

ومن أمثلة مظاهر الأزمة المالية، قال زريق إن "الناتج الداخلي الخام انخفض مقارنة بالسنة الماضية التي بلغ فيها 200 مليار دولار، كما أن قطاع الخدمات والسياحة فقد ما بين 70 و80% من أعماله".

وأضاف أن خسائر مترو الجزائر -الذي أضحى لا يعمل يوم الجمعة- قدرت في خمس جُمَع فقط بنحو 1.1 مليار دينار جزائري (نحو تسعة ملايين دولار)، لافتا إلى أن من حق الشركة المسيّرة للمترو أن تطلب تعويضا من ولاية الجزائر صاحبة قرار التوقف عن العمل.

إيرادات النفط
وعلى الرغم من أن مداخيل الاقتصاد الجزائري تتركز أساسا على إيرادات النفط وباقي المحروقات التي تشهد أسعاره انتعاشا ملحوظا في السوق العالمية، تبقى بعض الإجراءات رهينة عدم الاستقرار السياسي الذي يعيق بدوره الترسانة القانونية ويعرقل تقدم الإصلاحات المطلوبة، مما سيؤثر على طموحات الجزائر في الزيادة أو الحفاظ على نفس مستويات الإنتاج والتصدير.

غير أن الخبير الاقتصادي عبد القادر هدير يرى في حديثه للجزيرة نت أنه ما دامت أسعار النفط مرتفعة فإن أي عجز في الاقتصاد أو خروج لرؤوس الأموال لن يكون له تأثير كبير.

ويعتقد هدير أن الاستثمارات الأجنبية في الجزائر ضعيفة جدا وأغلبها في قطاع النفط، ويذهب إلى أن الضرر لن يحدث إلا إذا كانت للدولة نية الانفتاح على الاستثمار الأجنبي.

ويقول إن الجزائر ستواجه صعوبات اقتصادية لاحقا إذا هوت أسعار النفط، ودعا إلى تبني إصلاحات فورية تمنح إشارات مطمئنة للمستثمرين من أجل بعث مشاريع كبرى وتفادي الضرر الذي قد يمس الاقتصاد الوطني.

لالماس: من الضروري أن تراجع الجزائر قوانين إدارة قطاع الطاقة لتحفيز الإمداد المحلي (الجزيرة)

زيادة الصادرات
كما حذر خبراء في المجال الاقتصادي من أن الطلب المحلي وعدم إحراز تقدم في مشاريع جديدة قد يصعبان على الجزائر تحقيق هدفها بزيادة صادراتها من الغاز إلى السوق الآسيوية على المدى المتوسط.

وقال الخبير الاقتصادي إسماعيل لالماس للجزيرة نت إنه من الضروري أن تراجع الجزائر قوانين إدارة قطاع الطاقة من أجل تحفيز الإمداد المحلي، في وقت تظل فيه الظروف المالية الحالية للبلاد غير جذابة.

وأضاف أنه على قانون المحروقات الذي يتم تعديله حاليا أن يحتوي على ما يسهم في تخفيف العبء على المستثمرين، ويدخل تحفيزات ضريبية لتشجيع الاستثمار في التنقيب وتطوير المشاريع.

وبحسب لالماس فإنه من غير المؤكد حاليا ما إذا كانت التعديلات المقدمة كافية لجذب استثمارات كبيرة، بسبب ضعف الحكومة.

وأشار إلى أن أداء الحكومة أضحى غير مقنع، وساهم في عدم الاستقرار التشريعي الذي بات مصدر قلق للمستثمرين الأجانب.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن الوضع الحالي لا يشجع بتاتا على الاستثمار الأجنبي، ويجعل جل المستثمرين يترقبون وضوح المشهد السياسي ويتخوفون من المغامرة في مثل هذه الظروف التي يصبح فيها الربح غير مضمون، داعيا إلى استغلال الحراك الشعبي لتحقيق انطلاقة قوية للاقتصاد الوطني، وتشجيع وجلب الاستثمار الأجنبي.

وقال إنه يجب أن تخلص الجزائر إلى حل سياسي سريع يجعل مؤسسات الدولة -على رأسها المؤسسات الاقتصادية- تقلل من خسائر الاقتصاد في العام الحالي.

المصدر : الجزيرة