أحياء الصفيح بالمغرب.. حياة بلا نبض وخطط تحتاج لدعم القطاع الخاص

المسؤولون الحكوميون بالمغرب اعترفوا بعدم قدرتهم على وضع حد لدور الصفيح والمباني العشوائية (الجزيرة)
المسؤولون الحكوميون بالمغرب اعترفوا بعدم قدرتهم على وضع حد لدور الصفيح والمباني العشوائية (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط

تتزاحم الكلمات في فم المغربية فاطمة شباب وهي تحاول شرح الظروف التي تعيشها في الحي الصفيحي المعروف باسم "الجامايكا" بمدينة تمارة (عشرة كيلومترات عن العاصمة الرباط)، تدعونا لزيارة بيتها لنرى عن كثب أحوالها وسط أحد أشهر أحزمة البؤس بضواحي العاصمة.

في هذا الحي أينع ربيع فاطمة، وفيه تمضي شتاء عمرها القارس، فصول وعقود مرت وما زال نبض الحياة حولها متوقفا لم تنعشه وعود المسؤولين والمنتخبين والحكومات المتعاقبة.

"عشت في البؤس ويبدو أنني سأموت فيه". جملة تلخص بها هذه الثمانينية حياتها في حديثها مع الجزيرة نت، وتشيح بنظرها عن الفوضى حولها بعدما خانتها الكلمات، ثم تقول بهمس "نعيش حياة الأموات، نقاتل لتوفير لقمة العيش، لا أحد يهتم بنا وبمساعدتنا للخروج من هذه المأساة".

معظم المساكن في هذا الحي عبارة عن بنايات عشوائية بأسقف قصديرية، تتحول في فصل الصيف إلى قطعة من الجحيم، أما في فصل الشتاء فتغدو الأزقة الضيقة وديانا تفيض على البيوت بسبب غياب قنوات الصرف الصحي.

مستقبل غامض
تلتقط يامنة بوركيبة خيط الكلام من فم جارتها، وتتحدث عن السنوات التي انقضت من عمرها في هذا الحي الصفيحي. يامنة المزدادة في ستينيات القرن الماضي هي من أوائل سكان هذا الحي.

بنبرة يائسة تحكي كيف تغيرت الحال مع توافد سكان جدد إثر نشاط عمليات بيع وشراء "البراريك" (اسم يطلق على المساكن القصديرية) في العقود الماضية، وكيف تحول الحي إلى قنبلة اجتماعية موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.

تتقاسم يامنة بيتها الصفيحي مع ابنها وبناتها وأحفادها وبضع عنزات وأبقار وحصان، تقول إنها ربت أبناءها وهي تنتظر يوم تعويضهم وترحيلهم عن هذا الحي.
كبر الأبناء وهجر بعضهم ممن أكمل تعليمه الحي بعدما صار عقدة كبيرة في حياتهم، وتغيرت ظروف السكن للأسوأ.

مساكن صفيحية حيطانها وسقفها من القصدير (الجزيرة)

لا يمر يوم في هذا الحي دون وقوع مشاجرات بالأسلحة البيضاء، يسقط خلالها جرحى وأحيانا قتلى، أما الكلام النابي فهو الرائج وسط الشباب الغارقين في هموم البطالة والتعليم المتدني والمخدرات.

توضح يامنة أن أبناء الحي الراغبين في تغيير واقعهم يواجهون بالتمييز والاحتقار لأنهم ينحدرون من حي ذي سمعة سيئة.

تقول يامنة "أحفادي يشعرون بالخجل بسبب إقامتهم هنا، يتعرضون للوصم من زملائهم في المدرسة، ينعتونهم بأبناء الصفيح". تتوقف للحظات، تستجمع نفسها وتتساءل: "أي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال الأبرياء".

فشل رسمي
تسمى الأحياء الصفيحية بالمغرب "دواوير" أو "براريك" أو "كاريانات"، تعددت التسميات لكن الواقع البائس واحد، ويوجد في مدينة الصخيرات-تمارة أكثر من عشرين ألف براكة حسب بيانات وزارة الإسكان، وهي ثاني تجمع صفيحي بالمغرب بعد العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء (أكثر من 36 ألف براكة).

واعترف وزير الإسكان خلال جلسة بالبرلمان الشهر المنصرم بفشل مخططات وزارته ووعودها في القضاء على السكن غير اللائق، وقال إنه رغم المجهودات التي بذلت "لم نستطع وضع حد لدور الصفيح والمباني العشوائية".

وأطلق المغرب عام 2004 برنامج "مدن بدون صفيح" بعد تفجيرات 16 مايو/أيار2003 بالدار البيضاء.

وكان هذا البرنامج يرمي إلى تحسين ظروف سكن ما يزيد على مليون وثمانمئة ألف شخص في 85 مدينة، والقضاء نهائيا على دور الصفيح في المغرب في أفق 2020.

حي صفيحي بالمغرب (الجزيرة)

وبعد 14 سنة من إطلاقه، أعلنت وزارة الإسكان 59 مدينة بدون صفيح، والقضاء على 282 ألف براكة.

غير أن أعداد دور الصفيح التي أحصيت مند انطلاق البرنامج تضاعفت، وتحدث وزير الإسكان خلال تقديمه خارطة طريق للنهوض بالإسكان أمام المجلس الحكومي العام الماضي عن تزايد السكن الصفيحي في بعض المناطق.

السكن الاجتماعي
يرى الباحث الاقتصادي رشيد أوراز أن الدولة ببرامجها وخططها لا يمكنها القضاء على دور الصفيح دون التعاون مع الفاعلين في القطاع الخاص لتقديم منتج سكني يناسب هذه الفئة.

وقال أوراز للجزيرة نت إن سكان الصفيح لم يختاروا الإقامة في مساكن قصديرية، لكنهم اضطروا لذلك بسبب غياب بدائل تضمن لهم السكن اللائق، فالعقار في المغرب مرتفع التكلفة ولا يتأثر بالأزمات الاقتصادية على غرار بعض الدول.

وأطلقت الدولة ضمن برنامج "مدن بدون صفيح" عروضا للسكن الاجتماعي بـ 140 ألف درهم (نحو 15 ألف دولار) و250 ألف درهم (نحو 26 ألف دولار)، تبنيها شركات العقارات مقابل إعفاءات جبائية مهمة.

غير أن الواقع -يقول أوراز- أظهر فشل هذه البرامج، فلائحة المستفيدين من السكن الاجتماعي تضم في أغلبها فئات اجتماعية أخرى تقتني هذه المساكن بهدف ادخار المال أو الاستثمار فيها.

وكشف تقرير للمجلس الأعلى للحسابات صدر العام الماضي عن جملة من الاختلالات في برنامج السكن الاجتماعي، ولفت إلى أن الأسر التي تدخل في إحصاءات العجز السكني، خاصة تلك التي تعيش في دور الصفيح والمساكن الآيلة للسقوط، لم تستفد إلا جزئيا من البرنامج.

بعد 14 سنة من إطلاق برنامج "مدن بدون صفيح" أعلنت الوزارة المختصة القضاء على 282 ألف "براكة" (الجزيرة)

مشكلة معقدة
ولام رشيد أوراز المسؤولين المحليين، وحملهم مسؤولية فشل القضاء على هذه الظاهرة، وهو ما عبر عنه سكان حي "الجامايكا" الصفيحي في حديثهم مع الجزيرة نت، إذ يرى العديد من المسؤولين الأحياء الصفيحية بقرة حلوب.

ويقول أوراز "المشكل معقد ولا يمكن حله مركزيا، بل يجب إشراك الفاعلين المحليين ومراقبتهم، فهم الذين سيحددون فشل أو نجاح هذه السياسة كونهم في الميدان".

ويلفت الباحث الاقتصادي الانتباه إلى أن سكانا كثيرين من أحياء الصفيح بالمدن، خاصة محور طنجة الدار البيضاء، مهاجرون من القرى، لذلك يرى أن تنمية المجال القروي وتوفير تعليم جيد وخدمات صحية وفرص شغل؛ من شأنه تخفيف الهجرة القروية والظواهر المرتبطة بها، مثل دور الصفيح.

وفي انتظار وعود أعطيت منذ سنوات ونقضت وبرامج أطلقت وفشلت، تمضي أيام فاطمة ويامنة رتيبة بعدما تبخرت أحلامهما في تغيير قريب وصارتا تتطلعان لحدوث معجزة تنتشلهما من واقعهما البائس نحو مساكن وأحياء لائقة، ينهون فيها ما تبقى من أعمارهما ويبني فيها أحفادهما حياة أفضل من تلك التي عاشها آباؤهما وأجدادهما.

المصدر : الجزيرة