من الاستدانة الخارجية إلى طبع النقود.. هل تعافى الاقتصاد الجزائري؟

وفق بيانات حكومية لا تتجاوز ديون الجزائر الخارجية 1.8 مليار دولار (الجزيرة)
وفق بيانات حكومية لا تتجاوز ديون الجزائر الخارجية 1.8 مليار دولار (الجزيرة)

حمزة عتبي-الجزائر

قبل تنحيه من المنصب، كان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في كل مناسبة لا يتوانى عن تضمين خطبه عبارات تحمل في طياتها نوعا من الاعتزاز بشأن تخلص بلاده من قيود الاستدانة الخارجية.

وافتخر بوتفليقة في آخر رسالة له بمناسبة احتفالات الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات بأن الجزائر "تحررت من أخطبوط المديونية الخارجية".

ورغم ذلك لم يشهد الاقتصاد الجزائري انتعاشا كما كان مخططا له سلفا في مخططات عدة بغية استعادة عافيته، وبقي معلقا طوال سنوات بريع المحروقات إلى أن تهاوت أسعاره في السوق الدولية.

ونجمت عن أزمة تراجع الأسعار تداعيات سلبية على الاقتصاد دفعت الحكومة للجوء إلى التمويل غير التقليدي بدل التوجه نحو الاستدانة الخارجية بمبرر أنها "ترهن سيادة البلد".

وبحسب بيان السياسة العامة للحكومة المقدم أمام البرلمان في فبراير/شباط من العام الجاري، بلغت المديونية الخارجية للدولة 1.79 مليار دولار في يونيو/حزيران 2018.

ونصت الوثيقة على أن المديونية الخارجية العمومية للجزائر تمثل نسبة 1.06% من الناتج المحلي الخام للبلد، أما الدين العمومي الداخلي فوصل إلى 36% من الناتج المحلي الخام.

الاتجاه للاقتراض
في الثمانينيات من القرن الماضي اتجهت الجزائر للاقتراض، ثم تطورت الاستدانة الخارجية إلى غاية 2006، واستخدم جزء من هذه القروض لتمويل الاستهلاك والاستثمارات.

وبعد مجيء بوتفليقة للحكم في بداية الألفية انتعشت أسعار البترول، مما أدى إلى انخفاض المديونية لتصل نحو 5.3 مليارات دولار سنة 2006 مقابل ارتفاع الصادرات.

وفي سنة 2004 أطلقت الجزائر مسار التسديد المسبق للديون الخارجية وتسارعت وتيرته بعد ذلك في 2005، ولم تسجل التخفيضات المهمة إلا في سنة 2006.

تراجع أسعار النفط دفع الجزائر إلى طبع مزيد من النقود بدل اللجوء إلى الاستدانة الخارجية (رويترز)

وبرأي الباحث مسعود مجيطنة، فإن التسديد المسبق للديون السيادية الجزائرية لم يكن اعتباطيا بل كان قرارا مدروسا، كما أنه جاء في ظرف اقتصادي موات جدا إن على المستوى المحلي أو العالمي.

وقال مجيطنة في بحث منشور له بعنوان "التسديد المسبق للديون الخارجية" إن غزارة مداخيل النفط ومعاناة معظم الدول الدائنة من عجز في ميزانياتها جعلها تتساهل في الدخول في مفاوضات التسديد المسبق.

وكان بنك الجزائر سجل في تقرير له سنة 2010 انخفاضا في الديون الخارجية، إذ بلغت أربعة مليارات دولار نهاية سنة 2009 بعدما كانت تقدر سنة 2005 بـ4.16 مليارات دولار.

وطبقا للتقرير نفسه، فإن المديونية الخارجية كانت تقدر بـ30 مليار دولار سنة 1999، مما سمح بتخفيضها إلى مستوى أربعة مليارات دولار في نهاية 2009.

تمويل غير تقليدي
بعد تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية وتقلص عائدات الجزائر من مداخيل المحروقات قررت الحكومة في سنة 2017 تغطية العجز بعيدا عن الاستدانة الخارجية.

ومن وجهة نظر أستاذ الاقتصاد توفيق بجبج، فإنه سواء كان الدين داخليا أو خارجيا فإنه يخضع لجملة معايير وتصنيفات تجعل منه محفزا للاستثمار أو كابحا له.

وأكد بجبج في حديثه للجزيرة نت أن سداد الدين عمليا لعب دورا إيجابيا في حفظ الجزائر من الضغوطات الدولية التي عادة تمارسها الدول الدائنة على الدول المدينة في حالة العجز على السداد.

واهتدت الحكومة إلى الذهاب نحو التمويل غير التقليدي من خلال طبع النقود، لكن مواد في قانون القرض والنقد حالت دون تنفيذه، بسبب أنه يتيح للبنك تمويل الخزينة بـ10% فقط.

لهذا عجلت الحكومة بإحداث تعديلات على قانون القرض والنقد فأصبحت المادة 45 مكرر منه تنص على الترخيص للخزينة العمومية الاقتراض من البنك المركزي لمدة خمس سنوات في إطار التمويل غير التقليدي.

وخلف هذا الإجراء ردود أفعال عند الخبراء والسياسيين على اعتبار أن طباعة النقود بدون غطاء من النقد الأجنبي أو الذهب تنذر بصعوبات كبيرة على المدى المنظور.

الاقتصاد الجزائري تأثر بتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية (رويترز)

خيار لا مفر منه
أكد بعض الخبراء في الاقتصاد -بينهم جعفر بومعراف- أن أسباب لجوء الجزائر إلى التمويل غير التقليدي فرض نفسه ولم يكن خيارا كما يعتقد البعض.

وقال الخبير للجزيرة نت إنه لو لم يتم اعتماد هذا الإجراء لكانت الحكومة ستذهب بصفة آليا إلى الاستدانة الخارجية، وهذا الخيار غير مرحب به لما له من سلبيات.

أما الخبير في المالية والمحاسبة أمحمد خويدمي فرأى أن الهدف كان يصب في تغطية طلبات تمويل مستحقات الدين الداخلي، خصوصا الديون المترتبة على سندات القرض الوطني للنمو.

ولفت خويدمي في حديث للجزيرة نت إلى أنه في البداية كان تركيز الحكومة على تمويل الصندوق الوطني للاستثمار من أجل مساهمة الدولة في الاستثمار أو التمويل الطويل المدى لبرامج الاستثمار العمومي.

وضمن المنوال نفسه، يتصور أستاذ الاقتصاد عبد الرحمن مساهل أن الإشكال ليس في عملية التمويل غير التقليدي في حد ذاتها ولكن في الآلية التي يرتكز ويدار بها الاقتصاد.

وقال مساهل في اتصال مع الجزيرة نت إن الجزائر لا يمكنها أن تنجح في استخدام هذا الأسلوب ببساطة، لأن اقتصادها غير منتج داخليا وثانيا لكون هذا الاقتصاد يدار بضبابية وسطحية وشعبوية.

وفي هذا الشأن، أكد أن وجهة تلك المليارات كانت نحو تمويل العجز ونحو قطاعات ومشاريع غير إنتاجية وغير مدرة للدخل في أغلبها.

فساد مالي
يضيف مساهل أنه لا يمكن لأي أحد أن ينفي حدوث فساد مالي كبير من طرف جهات وشخصيات رسمية وغير رسمية.

وبما أن الجزائر دولة غير منتجة وغير مصنعة فإنها ستلجأ حتما إلى الاستيراد، وبواسطة هذه العملية يكون المستفيد الأكبر هم أصحاب المال، على حد قول الباحث بومعراف.

ويجمع الخبراء ممن تحدثت إليهم الجزيرة نت على أن الاقتصاد الجزائري ما زال هشا ولم يتعاف بعد رغم حزمة الإجراءات المتخذة والسياسات المنتهجة للحكومات المتعاقبة.

وتبقى الوضعية الاقتصادية للجزائر يكتنفها الغموض انسجاما مع الوضع السياسي، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات مع المسؤولين بشأن وجهة الأموال المستدانة من الخارج والنقود المطبوعة.

المصدر : الجزيرة