ديون مصر.. تنمية أم احتلال؟

المصريون يعانون من غلاء الأسعار في وقت يتزايد فيه حجم الاقتراض من الخارج (الجزيرة)
المصريون يعانون من غلاء الأسعار في وقت يتزايد فيه حجم الاقتراض من الخارج (الجزيرة)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

 "الديون" كلمة ثقيلة على ألسنة المصريين؛ كونها تحمل إرثا من عقود الاحتلال البريطاني للبلاد، قبل نحو 150 عاما، إذ استخدم الإنجليز الاستدانة المفرطة من جانب الأسرة العلوية الحاكمة -آنذاك- كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر واحتلالها.

صحيح أن التمدد الاستعماري البريطاني لم يكن ليوقفه أمر الاستدانة من عدمه، لكنه بقي ذريعة أدت إلى احتلال مصر سنة 1882، واستمر نحو 74 عاما.

والآن، وبعد نحو قرن ونصف القرن، تأخذ الديون وضعها على ألسنة المصريين كمأزق خطير بالنظر إلى بيانات استدانة القاهرة من المؤسسات الدولية خلال الأعوام الستة الأخيرة.

وأعلن البنك المركزي المصري في 22 مايو/أيار 2019 ارتفاع إجمالي الدين العام المحلي للبلاد بنسبة 20.25% على أساس سنوي، إلى 4.108 تريليونات جنيه (241.9 مليار دولار) مع نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي.

كما زاد الدين الخارجي للبلاد 16.6% على أساس سنوي إلى نحو 96.6 مليار دولار.

مخاوف من أن تؤدي الاستدانة المفرطة إلى تدخل خارجي (الجزيرة)

تصاعد الدين
الأرقام تقول إن الديون تصاعدت خلال السنوات العشر الأخيرة بوتيرة لم تشهدها مصر على مدار القرن العشرين.

ومع أفول عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وتحديدا في ديسمبر/كانون الأول 2010، وصل الدين المحلي إلى 962.2 مليار جنيه، (54 مليار دولار) والخارجي إلى 34.9 مليار دولار، ومثلت تلك الديون 84.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأثناء حكم المجلس العسكري من فبراير/شباط 2011 وحتى نهاية يونيو/حزيران 2012 قفز الدين المحلي إلى 1.238 تريليون جنيه (69.5 مليار دولار) والدين الخارجي إلى 34.3 مليار دولار، وأصبح إجمالي الديون 86.3% من الناتج المحلي.

وخلال السنة التي تولي فيها محمد مرسي رئاسة البلاد، ارتفع الدين المحلي إلى 1.527 تريليون جنيه (85.7 مليار دولار) والدين الخارجي إلى 43.2 مليار دولار، حيث وصل حجم الديون 98.4% من الناتج المحلي.

وارتفعت الديون في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور بعد الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني للبلاد في يوليو/تموز 2013، ليصل إجمالي الديون 100.7% من الناتج المحلي.

وبوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم في يونيو/حزيران 2014؛ ارتفعت مؤشرات الدين بشكل غير مسبوق.

ووصل الدين المحلي إلى 3.536 تريليونات جنيه (198.6 مليار دولار) والخارجي إلى 88.1 مليار دولار، ومثلت الديون 123.6% من الناتج المحلي، مع نهاية مارس/آذار 2018.

ولا تقف الخطورة عند حد أرقام الاستدانة، لكنها تمتد إلى زيادة فوائد الديون التي يتعين على الحكومة المصرية تسديدها سنويا.

ووفق بيانات وزارة المالية المصرية يصل مبلغ فوائد الديون إلى 541 مليار جنيه (30.4 مليار دولار).

الديون الخارجية لمصر فاقت 88 مليار دولار في مارس/آذار 2018 (الجزيرة)

تناقض حكومي
تبدو تصريحات المسؤولين الحكوميين حول الاستدانة المفرطة متناقضة؛ ففي حين يكون بعضها مطمئنا لسير الإصلاح الاقتصادي على النحو المرجو، تظهر أخرى لتؤكد حجم خطورة أرقام الديون.

ونقلت وكالة رويترز عن وزير قطاع الأعمال هشام توفيق أن حكومة بلده تستعد لبيع نحو مليوني متر مربع من الأراضي المملوكة للشركات القابضة التابعة للدولة، للمساعدة في سداد ديون داخلية قدرها 38 مليار جنيه (2.22 مليار دولار).

في المقابل، قال أحمد كجوك نائب وزير المالية للسياسات المالية إن الحكومة نجحت في خفض ديونها الدولارية قصيرة الأجل بمقدار 3.25 مليارات دولار بنهاية 2018، لتصبح 14 مليار دولار.

ويبدو تصريح كجوك مطمئنا، لكن الرجل عاد ليفسر سر قدرة الحكومة على خفض الديون قصيرة الأجل، حيث قامت وزارة المالية بالاقتراض طويل الأجل من الأسواق الدولية واستخدمت جزءا من تلك الأرصدة لسداد الدين الخارجي قصير الأجل.

ومن المشاهد الغريبة في مسألة الديون، ما أعلنته الحكومة المصرية -مطلع الأسبوع الجاري- من إبرام بروتوكول بين وزارة المالية وهيئة قناة السويس، يتضمن أن تتحمل الأولى الديون الدولارية التي أصبحت الهيئة عاجزة عن سداد أقساطها.

وتعد قناة السويس واحدة من المصادر الأساسية للدخل القومي المصري.

وكانت الهيئة اقترضت عام 2015 مبلغ 1.4 مليار دولار من بنوك مصرية وأجنبية لتمويل مشروع حفر تفريعة قناة السويس، فضلا عن جمع نحو ستين مليار جنيه من المصريين في صورة سندات ادخارية.

ويأتي تصريح وزير المالية محمد معيط، خلال حوار متلفز في مارس/آذار الماضي، كأكثر التصريحات المعبرة عن استسلام السلطة المصرية للجري المتواصل في ماراثون الاستدانة.

وصرح معيط بأن الدولة عليها دفع 541 مليار جنيه للفوائد، و276 مليارا لأقساط الديون، ومجموعهما 817 مليار جنيه.

وأضاف أن حجم موازنة الدولة 989 مليار جنيه أي يتبقى منها بعد سداد الفوائد والأقساط نحو مئة مليار جنيه.

ولحل العجز في الموازنة، قال الرجل بتلقائية وبساطة شديدة: "بنستلف تاني".

 حشمت: مصر لم تكن بحاجة ملحة للاقتراض (الجزيرة)

مرحلة الخطر
في مقال بعنوان "الديون المصرية.. هل وصلت إلى مرحلة الخطر؟" استرجع الرئيس السابق لحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي محمد أبو الغار تضخم الديون في عهد الخديوي إسماعيل، والذي انتهى بالاحتلال.

ويستبعد المقال إمكانية استغلال الديون كذريعة للاحتلال العسكري بمفهومه القديم، لكنه لا يستبعد التدخل الخارجي بمفهومه المناسب للعصر الحالي.

وتابع أبو الغار "نعرف أن بلدا صغيرا هو اليونان أصابته ضائقة مالية بسبب القروض المبالغ فيها، وانتهت إلى شبه إعلان إفلاسه ووضع الاقتصاد اليوناني تحت إدارة خبراء أجانب بقيادة ألمانيا الدائن الأكبر".

ورغم إفلاس اليونان فإن كاتب المقال توقع أن تكون الأمور مع مصر على نحو أسوأ "اليونان جزء من الاتحاد الأوروبي، وهناك تعاطف شديد معها، وعدد سكانها قليل، وتوجد بنية تحتية جيدة، وعندها دخل ممتاز من السياحة".

الرؤية نفسها يتبناها البرلماني السابق عز الدين الكومي، الذي قال إن وضع مصر الراهن يذكر بالحالة التي بدأها الخديوي سعيد، وانتهت بالإفلاس زمن الخديوي إسماعيل، والتدخل البريطاني الفرنسي بتعيين مراقبين: أحدهما بريطاني للواردات وآخر فرنسي للمصروفات، ثم انتهى الأمر بالاحتلال الإنجليزي.

وأضاف للجزيرة نت أن الإدارة الاقتصادية التي ينتهجها النظام الحالي مع تراجع الصناعة والسياحة أدخلت البلاد في دوامة الاقتراض، محذرا من زيادة معدلات التضخم، ومن ثم الفقر، إلى جانب تحمل الأجيال القادمة تبعات هذه الديون.

حصاد الإصلاح
حصلت الحكومة المصرية على قروض من المؤسسات الدولية تحت غطاء الإصلاح الاقتصادي والتنمية، وهو ما يجعل التساؤل حول ماذا الذي فعلته مصر بأموال القروض أمرا بديهيا.

وفي ذلك، قال زياد بهاء الدين النائب السابق لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في مقال بعنوان "حصاد برنامج الإصلاح الاقتصادي"؛ إن البرنامج كان ولا يزال محل جدل.

وأوضح أن المنظمات الدولية والمؤسسات المالية ترى أن الحكومة المصرية تسير بخطوات ناجحة على طريق الإصلاح الاقتصادي، بينما يعاني المصريون من مشقة العيش نتيجة الغلاء الشديد.

وفي تقدير بهاء الدين، فالمحصلة النهائية للبرنامج لم تكن شرا مطلقا ولا خيرا مطلقا، بل هي مزيج من الاثنين.

فعلى الجانب الإيجابي، احتاجت الإصلاحات الاقتصادية الكلية شجاعة وحسما، خاصة في ما يتعلق بتحرير سعر الصرف، والحد من نزيف دعم الطاقة، أما على الجانب السلبي فإن البرنامج تسبب في موجات متتالية من الغلاء لم يستطع الناس التأقلم معها، رغم الإنفاق المتزايد على برامج الحماية الاجتماعية، كما يؤكد بهاء الدين.

لكن المسؤول عن موجة الغلاء ليس الإصلاح الاقتصادي في حد ذاته، بل عجز السياسات الحكومية عن مواكبة الإصلاح الكلي عبر برامج تشجع الاستثمار الإنتاجي، وتخلق فرص عمل مستدامة، وتحارب الاحتكار، وفق قول بهاء الدين.

الديون تفاقمت على قناة السويس التي تعد أحد مصادر الدخل القومي بمصر (الجزيرة)

لا خطط للتنمية
من جهته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب إن مصر بدأت الاستدانة مضطرة دون خطة ممنهجة للتنمية.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن السلطة في مصر تنامت لديها رغبة ملحة لعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي على توفير تمويل في حدود 12 مليار دولار بواقع أربعة مليارات دولار سنويا، إلى جانب اتفاقات مع البنك الدولي تبلغ نحو سبعة مليارات دولار.

وهذه الخطوات أسهمت في تكريس اعتقاد لدى السلطة بأن زيادة الديون تعني زيادة الثقة في الاقتصاد المصري من منطلق أن المؤسسات الدولية لن تقرض اقتصاديات منهارة، وفق قول عبد المطلب.

 وقال "اعتقدت السلطة أيضا أن الثقة في الاقتصاد المصري ستساعد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ مما سيسهم في زيادة الإنتاج والدخل بما يكفي لسداد الديون".

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الجزء الأكبر من قرض صندوق النقد ذهب إلى خفض عجز الموازنة، بينما ذهبت قروض البنك الدولي لتمويل رفع كفاءة البنية الأساسية وتجويد الحياة الاجتماعية.

من جانبه، لفت وكيل لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان السابق الدكتور جمال حشمت إلى إن الحكومة المصرية لم تكن بحاجة ملحة للاقتراض.

 وقال "بمراجعة سريعة لأسباب الاقتراض ومجالاته لن تجد مشروعا واحدا تنمويا يسدد جزءا من رأس ماله، ولا استثمارا حقيقيا يرفع مستوى المعيشة أو يحسّن خدمة".

ومكمن الخطورة، وفق حديث حشمت للجزيرة نت، في الغموض الذي يكتنف شروط الدائنين إذا ما لم تقدر مصر على رد الديون، وحذر من بيع مقدرات الوطن ورهن ثرواته لأعدائه.

المصدر : الجزيرة