كيف أصبح الاكتفاء الذاتي وبالا على الاقتصاد العراقي؟

حرائق في حقول الحنطة والشعير في محافظة صلاح الدين (الجزيرة)
حرائق في حقول الحنطة والشعير في محافظة صلاح الدين (الجزيرة)

مناف الجنابي-بغداد

لم تكن حرائق الحقول الزراعية في أربع محافظات عراقية هي الأولى من نوعها التي حصلت مباشرة عقب تصريحات أطلقها مسؤولون عراقيون أكدوا فيها تحقيق "الاكتفاء الذاتي" لحاجة البلاد من محصولي الحنطة والشعير.

خسائر بشرية وأضرار تقدر بملايين الدولارات ضربت الاقتصاد العراقي نتيجة حوادث مفاجئة استهدفت الأمن الغذائي للبلاد يتزامن حدوثها في كل مرة بعد إطلاق هذه التصريحات، مما بات يشكل مصدر قلق ورعب للمسؤول والمواطن العراقي، على حد سواء.

وشهدت الأعوام الأخيرة تحقيق العراق اكتفاءً ذاتيا لعدد من المحاصيل الزراعية والحيوانية مثل السمك والبرتقال والخضراوات وبيض المائدة والذرة الصفراء والطماطم والثوم والبصل ومحصولي الحنطة والشعير، والمنتجات الصناعية الإستراتيجية مثل الإسمنت والمشتقات النفطية باستثناء مادة "البنزين".

وأسهم ذلك في تقوية الاقتصاد الداخلي وتحقيق الأمن الغذائي وتوفير العملة الصعبة.

ويؤكد وزير الموارد المائية السابق والخبير في الاقتصاد الزراعي حسن الجنابي أن العراق من المستوردين الكبار لمحصول القمح، مبينا أن إنتاج العام الجاري يسد حاجة السوق المحلي بسبب الأمطار والخزين المائي الممتاز الذي تحقق هذا الموسم، والذي يبلغ أكثر من 26 مليار متر مكعب بزيادة مقدارها 15 مليار متر مكعب عن العام الماضي.

وأكد الجنابي أن خزينة الدولة يمكنها توفير نصف مليار دولار من استيراد القمح، على افتراض أن قيمة الطن الواحد تبلغ 210 دولارات فقط.

كما أعلنت وزارة الزراعة العراقية إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصولي الحنطة والشعير خلال الموسم الحالي، مؤكدة أن الخطة الزراعية حققت أرقاماً قياسية بسبب الوفرة المائية.

وشملت الخطة الزراعية للموسم الحالي زراعة سبعة ملايين وثلاثمئة ألف دونم (الدونم ألف متر مربع) من الحنطة في عموم البلاد، وهذا رقم قياسي غير مسبوق، فضلا عن زراعة أكثر من أربعة ملايين دونم من محصول الشعير، مما يوفر احتياج الأعلاف الحيوانية للعام الحالي.

حرائق حقول الحنطة والشعير في العراق (مواقع التواصل)

ما أشبه اليوم بالأمس
وقبل أيام من موسم حصادها، التهمت النيران "المفتعلة" مئات الحقول الزراعية من محصولي الحنطة والشعير في محافظات صلاح الدين وكركوك وديالى والموصل، ملحقة خسائر بشرية ومادية فادحة بالمزارعين الذين استبشروا خيرا بعد موسم أمطار استثنائي.

هذه الكوارث الاقتصادية أعادت للأذهان ما حصل العام الماضي في حادثة نفوق الأسماك.

وعبر رئيس وزراء العراق الأسبق إياد علاوي في تغريده له في حسابه الخاص على موقع تويتر عن استغرابه لمرور هذه الحوادث مرور الكرام، مؤكدا أن الرسالة باتت واضحة بقوله "لن نسمح للعراق بأن يحقق الاكتفاء الذاتي، وما هلاك الأسماك عنكم ببعيد".

وشكلت وزارة الزراعة العراقية غرفة عمليات مشتركة مع الجهات الأمنية والدفاع المدني للحد من الحرائق التي ضربت حقول الحنطة والشعير.

ويقول الناطق الرسمي للوزارة حميد النايف للجزيرة نت إن كل المؤشرات تسير باتجاه الجريمة المنظمة، ولا نستبعد الإرهاب في هذا الجانب، إضافة إلى أسباب أخرى كالإهمال والعداء الشخصي، مشيرا إلى أن التحقيقات ما زالت مستمرة حتى الساعة.

ويؤكد النايف أن حجم الخسائر المتداول في وسائل الإعلام مبالغ فيه، حيث بلغت المساحة المحترقة والمتضررة من الحقول -لغاية الآن- أربعة آلاف دونم فقط من محصولي الحنطة والشعير، وهي نسبة لا تشكل شيئا قياسا بالمساحة الإجمالية المزروعة في عموم البلاد، والتي تبلغ 12 مليون دونم.

واستنكر رئيس الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية التعاونية حسن نصيف التميمي ما وصفها بالمجازر التي تحصل في حقول الحنطة والشعير، مطالبا رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالتدخل شخصيا لإيقاف هذه الكوارث ومعرفة الجناة وتعويض الفلاحين.

ويقول التميمي للجزيرة نت إن الحرائق المفتعلة أدت إلى مقتل 15 فلاحا في محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى، مشيرا إلى أنها جاءت لخلق أزمة اقتصادية وزعزعة الأمن الغذائي العراقي.
 

حميد النايف: جميع المؤشرات تؤكد وجود الجريمة المنظمة وحجم الخسائر مبالغ فيه (الجزيرة)

سلاح المعركة 
وعن الجهة أو الجهات التي تقف وراء هذه الحوادث، يقول الخبير الاقتصادي غياث دحام للجزيرة نت إنه لا يمكن أن نشير بالبنان إلى جهة معينة ، فالجميع أخذ مأخذه لمحاربة اقتصادنا بشكل علني وواضح في سبيل تحقيق مآرب فاسدة، وكان الضحية دائماً هو المواطن البسيط. 

ويؤكد دحام أن الحروب والنزاعات المتكررة أثرت سلبيا وبشكل مباشر على الاقتصاد العراقي، وكانت مؤثرات أخرى غير مباشرة لا تقل أهمية عنها عرقلت سير عجلة نمو الاقتصاد المحلي كالحوادث المفتعلة وعمليات الفساد والترهل في مؤسسات الدولة.

ويضيف أن أهم عناصر دعم المنتج المحلي هو تشريع القوانين الداعمة بشرط تطبيقها، للحد من ظاهرتي الفساد والترهل من جانب، ولدعم القوانين المشرعة من جانب آخر، وهذا التطبيق لن يكتفي بدعم المنتج المحلي ليتفوق على المستورد فحسب، بل سيسهم في تفعيل جوانب أخرى كالحفاظ على العملة الصعبة ورفع قيمة الدينار المحلي والقضاء على البطالة ".

المصدر : الجزيرة