تونس.. استدانة مفرطة بلا جدوى

احتجاجات سابقة على تدهور المعيشة أمام البرلمان بالعاصمة تونس (الجزيرة)
احتجاجات سابقة على تدهور المعيشة أمام البرلمان بالعاصمة تونس (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

أخفقت تونس في تسجيل نسب نمو عالية بعد ثماني سنوات من الثورة لتحقيق التنمية والتشغيل بسبب ضعف أدائها الاقتصادي واختلال توازناتها الناتج عن تفاقم مصاريفها وقلة مداخيلها.

وضْعٌ جعل البلاد تنجرف نحو حلقة من الاستدانة المفرطة لتمويل موازناتها دون أن يكون لها أثر إيجابي على التونسيين.

وتركزت خطابات الحكومات إبان ثورة 2011 على وعود تحسين مؤشرات التنمية والاستثمارات بالمناطق الفقيرة وتوفير فرص العمل للشباب، لكن سرعان ما طفقت تلك الخطابات تُركّز فيما بعد على أولوية قصوى محورها الأبرز التحكم في عجز الموازنة الذي بلغ العام الماضي 5%.

ومرد هذا التغيّر بالخطاب بلوغ مستويات قياسية من الدين الخارجي الذي عبّد الطريق لدخول الاستعمار الفرنسي سنة 1881 بمقتضى ما يعرف باتفاقية باردو.

ووفق الأرقام الرسمية بلغ حجم الدين سنة 2018 نحو 72% من الناتج المحلي، في حين كانت هذه النسبة 41% خلال سنة 2010.

أعضاء لجنة المالية بالبرلمان يؤمنون على خروج تونس للأسواق المالية في مايو/أيار 2019 (الجزيرة)

ديون عقيمة
يقول الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي للجزيرة نت إن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة لجأت للاستدانة بصفة متصاعدة لتمويل الميزانية، لكن الديون "لم ينتج عنها خلق للثروة أو التنمية أو امتصاص للبطالة البالغة 15.3%". وأكد أن الأجيال القادمة ستدفع ثمنا باهظا جراء سياسة الاستدانة.

ويُمثل الاقتراض 25% من الموازنة المقدرة العام الحالي بـ 40.8 مليار دينار (13.7 مليار دولار).

لكن "سوء التصرف" في استخدامها انعكس سلبا على النمو الاقتصادي الذي لم يتجاوز 1.1% بالربع الأول من العام الجاري، في حين تراجع الاستثمار من 24% إلى 18% العام الماضي.

ولطالما وجهت الحكومات بعد الثورة جزءا هاما من الديون -التي اقترضتها بشكل متكرر من صندوق النقد الدولي أو البنك الإفريقي للتنمية أو البنك الإسلامي للتنمية أو البنوك الأوروبية المانحة- إلى دفع الأجور ودعم المؤسسات الحكومية لتوريد الطاقة وإرجاع الديون المستحقة في آجالها.

لكنها واجهت نقدا لاذعا خاصة بسبب لجوئها للاستدانة من صندوق النقد بعد اتفاق 2013 على منحها قرضا على أقساط بقيمة 1.7 مليار دولار، ثم الاتفاق سنة 2016 على منحها قرضا آخر على أقساط بـ 2.8 مليار دينار مشروطا بسياسات اقتصادية انفتاحية ودعوات لخفض الأجور والدعم.

الارتهان للغرب
يرى مراقبون أن القرار السيادي أصبح مرتهنا للغرب بسبب المديونات الخانقة مع صندوق النقد والاتحاد الأوروبي من خلال الضغط عليها للانخراط أكثر في منظومة اقتصاد السوق والعولمة الاقتصادية، ومحاولة إقناعها حاليا بتوقيع اتفاقية الاتفاق الحر والشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي.

وهذا العام تسعى الحكومة "عبثا" إلى خفض المديونية إلى نحو 71% مقابل 72% عام 2018.

غير أن الشكندالي يتوقع أن ترتفع نسبتها العام الحالي إلى 80% قياسا للناتج المحلي خصوصا مع توجه الحكومة إلى تعبئة قرض من السوق العالمية بقيمة ثمانمئة مليون دولار لتمويل موازنة الدولة عام 2019.

وتمت الموافقة، الأربعاء الماضي، على طلب خروج تونس للسوق المالية العالمية لتعبئة هذا القرض الموجه مباشرة إلى تمويل ميزانية الدولة وسط جدل كبير داخل لجنة المالية بالبرلمان.

فقد صوّت نواب الائتلاف الحكومي الذي يقوده يوسف الشاهد بالموافقة، في حين رفضت المعارضة بشدة.

مخاوف
تبلغ قيمة القروض -التي ستقوم الحكومة بتعبئتها في موازنة العام الجاري- حوالي عشرة مليارات دينار (3.5 مليارات دولار).

وتستحوذ القروض الخارجية على النصيب الأكبر لتناهز 7.8 مليارات دينار (2.6 مليار دولار) وستلجأ لتعبئة 2.35 مليار دينار (787 مليون دينار) من البنوك المحلية.

الشكندالي: الديون لم تنتج عنها ثروة أو التنمية أو امتصاص للبطالة (الجزيرة)

ومنذ أسابيع لجأت الحكومة لاقتراض 356 مليون يورو (399 مليون دولار) من بنوك محلية بهدف تمويل موازنتها، مما جعل عديد الخبراء يحذرون من شح السيولة بالسوق الداخلية وتحويل القروض الموجهة للاستثمار من قبل القطاع الخاص للدولة، إضافة إلى مخاوفهم من تراجع معدل الاستهلاك.

من جانبه، يرجع وزير المالية الأسبق حكيم بن حمودة ارتفاع نسبة المديونية بعد الثورة إلى لجوء الحكومات المتعاقبة إلى الاقتراض بشكل متصاعد لتمويل نفقات الموازنة في مجال الاستثمارات العمومية ومجال البنية التحتية والتنمية في الجهات المحرومة والتي تحتاج إلى تمويلات مالية كبرى.

ويقول للجزيرة نت إن جزءا هاما من الديون المتحصل عليها تم توجيهه بالأساس لتغطية عجز الميزانية في ظل ارتفاع النفقات الموجهة إلى الأجور ودعم المواد الأساسية ودعم الكهرباء والمحروقات وخلاص الديون، في حين بقيت المؤشرات الاقتصادية على مستوى النمو والاستثمار ضعيفة.

تضرر الأجيال القادمة
تقدر كتلة الأجور بميزانية العام الحالي بنحو 16.5 مليار دينار (5.5 مليارات دولار) في حين ناهزت نفقات الدولة الموجهة لدعم المواد الأساسية 1.8 مليار دينار (602 مليون دولار) ونفقات دعم الكهرباء والمحروقات 2.1 مليار دينار (703 مليون دولار) إضافة لنفقات أداء الديون وفوائدها.

ويرى بن حمودة أن الاستدانة المفرطة ستتسبب في زعزعة الاقتصاد وتضرر مصالح الأجيال القادمة التي ستدفع فاتورة تركيز الحكومات على التحكم بالتوازنات المالية دون إعطاء أهمية قصوى للإصلاحات الاقتصادية والمالية والجبائية، معتبرا أن دفع النمو والاستثمار هو الحل لهذه الأزمة.

وتصل قيمة الديون التي ستسدد هذا العام إلى 9.3 مليارات دينار (3.1 مليارات دولار) منها ثلاثة مليارات دينار (مليار دولار) ستذهب لأداء الفوائد.

ويزيد انخفاض قيمة الدينار أمام اليورو من الأعباء الإضافية لكلفة الديون باعتبار تطور نسبة اليورو في هيكلة الدين (35%) مقابل الدولار (22%).

وأصبحت تونس تواجه مصاعب خطيرة في قدرتها على سداد ديونها نتيجة تراجع احتياطي العملة الصعبة بسبب ارتفاع عجز الميزان التجاري إلى 16 مليار دينار (5.3 مليارات دولار) دينار العام الماضي جراء تراجع الصادرات خاصة قطاع الطاقة وارتفاع الواردات خاصة من النفط والغاز وتراجع الدينار.

المصدر : الجزيرة