الجزائر.. مخاوف العاملين في مؤسسات الأثرياء الموقوفين

مدخل سجن الحراش بالعاصمة الجزائرية (مواقع التواصل)
مدخل سجن الحراش بالعاصمة الجزائرية (مواقع التواصل)

سالم جمال-الجزائر

"إدانة عبد المؤمن خليفة بـ18 سـنة حبسا نافذة ومصادرة أملاكه"، بهذا الحكم انتهت حكاية الفتى الجزائري الذهبي عبد المؤمن خليفة -صاحب شركة الخليفة للطيران- في يونيو/حزيران 2015 دون الكشف عن كل أسرار القضية، ودون أن يُعاقب كل المسؤولين المتورطين فيها، في حين حُلّت أملاك الملياردير وسُرّح مئات العمال في الجزائر وخارجها.

تلك هي النهاية التي يريد عمال مؤسسات الأثرياء الجزائريين الموقوفين منذ استقالة الرئيس السابق تفاديها، فمع تواصل الاعتقالات والاستدعاءات يتساءل آلاف العمال: ما مصير قوت يومنا؟

دفع حراك الشعب الجزائري الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الاستقالة، لتدخل البلاد بعدها في حملة اعتقالات غير مسبوقة لأغنى رجال الأعمال الذين يزنون مليارات الدولارات.

ويقبع في سجن الحراش بالعاصمة كل من الرئيس المدير العام لمجمع سيفيتال وأغنى رجل في الجزائر أسعد ربراب (3.7 مليارات دولار حسب فوربس) بتهم نشر بيانات كاذبة وتضخيم الفواتير واستيراد تجهيزات مستعملة.

كما يقبع علي حداد مالك مجمع الأشغال العمومية "حداد" وثاني أغنى رجل في البلاد بثروة تجاوزت نصف مليار دولار (أرقام غير رسمية) بتهم تتعلق بالتزوير واستعمال المزور وتقديم معلومات كاذبة، وذلك بعد محاولته الفرار برا عن طريق الحدود التونسية، وهو الآن رهن التحقيق في قضايا فساد ثقيلة.

بالإضافة إلى الأخوة كونيناف (رضا وعبد القادر وكريم وطارق) أصحاب شركة "KOUGC" المختصة في مجال الهيدروليك المعتقلين بتهمة استغلال نفوذ الموظفين العموميين للحصول على مزايا وتحويل عقارات وامتيازات عن مقصدها وتبييض الأموال والتمويل السري للأحزاب السياسية.

كما مُنع العديد من رجال الأعمال من السفر، في ظل ترقّب شديد لقرارات العدالة في الأسابيع القادمة.

علي حداد ثاني أغنى رجل في الجزائر بثروة تجاوزت نصف مليار دولار (الأوروبية)

مخاوف العمال
يعيش آلاف العمال الموزعين على مجمعات وفروع رجال الأعمال الموقفين وكذا المتابعين قضائيا، في أجواء ضبابية كبيرة.

"بالتأكيد نحن خائفون من مآلات كل ما يحدث"، يقول أحد العمال في مجمع "حداد".

ويضيف "هناك قرابة 16 ألف عامل باحتساب عمال المؤسسات المناولة و8 آلاف عامل مباشر، بالإضافة إلى 406 موظفين في مجمع الوقت الجديد (يضم جريدتين وقناتين يملكها حداد)، كل هؤلاء متخوفون من المستقبل، بل هناك مؤسسات عمومية عدة خائفة من ارتدادات حمالات الاعتقال والتوقيف".

هل من حلول؟
عن الحلول التي قد تمكن من تفادي سيناريو الخليفة، يقول سمير الإطار في مجمع حداد "إذا أردنا تجنيب الاقتصاد الجزائري خسارة مليارات الدولارات، يجب تفادي حل هذه المؤسسات، فإما ترحّل إلى القطاع العمومي مع عدم تكرار تجارب المؤسسات العمومية العاجزة، وإما يفتح رأس مال هذه المؤسسات للقطاع الخاص مع تواصل المشاريع وتشديد الرقابة القانونية عليها".

وعلى النقيض يشدد مساندو وعمال مجمع سيفيتال على أن قضية ربراب لا علاقة لها بالحراك، وهي تعود لعام 2018 حين كان على خلاف شديد مع الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة ومحيطه.

وأكدوا أن القضية الحالية لن تؤثر على فروع مجمع سيفيتال التي يبلغ عددها 26 فرعا وتوظف 18 ألف عامل برأس مال تجاوز أربعة مليارات دولار.

أي تبعات على مناخ الأعمال؟
"اعتقال بعض رجال الأعمال جاء في وقت حرج اختلطت فيه المفاهيم بين ملفات تتعلق بقضايا محدودة، وتهم محددة، والحملة السياسية التي يُراد منها الإجابة بهذه الطريقة على احتقان الشارع"، يقول الخبير الاقتصادي فرحات آيت علي.

آيت علي يرى أنه من المستبعد منطقيا في الوقت الحالي "غلق المجمعات أو دفعها للإفلاس بمجرد أن مسيريها متابعون في قضايا محددة"، محذرا من أن غلق المؤسسات سيجعل العواقب وخيمة على كل المسار السياسي الحالي، وعلى الاقتصاد على المدى القصير.

يسعد ربراب أغنى رجل في الجزائر متابع بتهمة تضخيم الفواتير واستيراد تجهيزات مستعملة (رويترز)

ويشير آيت علي إلى أن العامل الاقتصادي المهمل كليا في المسعى الحالي من كل الأطراف هو من سيدق الأبواب عن قريب ويعيد كل طرف إلى حجمه الطبيعي وسيضفي نوعا من العقلانية على تصرفات الجميع.

وعن التبعات الاقتصادية على المدى القريب، يقول فرحات آيت علي إن فاتورة الخدمات ستزيد بأعباء التأمينات على كل المعاملات مع الجزائر، التي ستصنف ضمن البلدان الكثيرة المخاطر.

كما نبه إلى ارتفاع فاتورة التجارة الخارجية وتقلص احتياطات الصرف، وموازاة مع الإصدار النقدي غير المحسوب العواقب ستنهار العملة الوطنية، إنذارا بالدخول في نفق مظلم جديد، وفق تعبيره.

رأي القانون
يرى المحامي والحقوقي عبد الغاني بادي أن فهم مخرجات هذه القضايا الشائكة يحتاج وقتا أطول، موضحا أن القضاء سيعمل أولا على التحقق من ارتباط الأموال والثراء بالتهم المنسوبة لكل شخص كالاختلاس واستغلال الوظيفة والاستفادة من امتيازات غير مستحقة، وبعدها يمكن لقاضي التحقيق التحفظ على الأموال والعقارات والأرصدة ووضعها تحت الحراسة القضائية، إلى حين الفصل في القضايا المطروحة وإدانة المتهم، لتأتي بعدها مرحلة تعيين مصفٍ للقيام بإجراء تصفية الأموال وتحديد الأطراف المتضررة وتعويضها وفق إجراء التصفية.

وفي حالة الموقوفين في الجزائر الآن، يضيف بادي أن الخزينة العمومية ستكون الطرف الأكثر تضررا، مما يعني احتمال أن تُحال أموال الموقوفين في حال إدانتهم إلى الخزينة العمومية، كما قد يسمح للقضاء بحجز ومصادرة ممتلكات أقارب المتهمين متى أثبت التحقيق أنها كانت من عائدات الفعل المُجرّم.

وعن مخاوف العمال من تكرار سيناريو الخليفة، يقول بادي "لا أعتقد أن هناك تشابها بين قضية الخليفة وهذه القضايا. فقضية نصب واحتيال (قضية عبد المؤمن خليفة) تختلف في مخرجاتها عن اختلاس أموال عمومية".

ستمر الأسابيع القادمة ثقيلة على آلاف العمال ما لم يتضح مصير مؤسساتهم التي قد تتأثر أو تشهد تغيرات جذرية إذا ما أدانت العدالة مالكيها الموقوفين.

المصدر : الجزيرة