هل يحد منع "الكاش" من الفساد الحكومي بمصر؟

هل يحد منع "الكاش" من الفساد الحكومي بمصر؟

وزارة المالية المصرية أعلنت بدء تحصيل المستحقات المالية الحكومية فوق 500 جنيه إلكترونيا (رويترز)
وزارة المالية المصرية أعلنت بدء تحصيل المستحقات المالية الحكومية فوق 500 جنيه إلكترونيا (رويترز)

عبد الرحمن محمد-القاهرة


لم تكد تمر ثلاثة أسابيع على بدء تنفيذ المنظومة الإلكترونية لدفع وتحصيل المستحقات الحكومية مطلع الشهر الجاري في مصر، حتى تكاثرت التعديلات والاستثناءات ورصد المشكلات التي تتابع الحديث عن تسيير فرق دعم فني لحلها.

الاحتفاء الواسع والتبشير بطفرة كبيرة في سبيل التحول إلى مجتمع رقمي أقل اعتمادا على أوراق النقد، وتحقيق الشمول المالي وأهداف رؤية مصر 2030 -الذي سبق هذا التنفيذ- لا يتناسب حسب مراقبين مع ما برز على السطح من استثناءات ومشكلات تناولتها وسائل إعلام محلية.

وكانت وزارة المالية أعلنت مطلع الشهر الجاري بدء تطبيق تحصيل المستحقات المالية الحكومية فوق خمسمئة جنيه (ثلاثين دولارا) إلكترونيا، باستخدام كروت الحسابات البنكية أو مسبقة الدفع أو كروت الائتمان أو عن طريق الإنترنت، بينما يتم سداد ما يزيد على عشرة آلاف جنيه (590 دولارا) من خلال البنوك المختلفة.

وفي سبيل ذلك، وفرت الوزارة "كروتا" مسبقة الدفع مجانا لمدة ستة أشهر، اعتبارا من أول مايو/أيار الجاري، من خلال بنوك أبرزها الأهلي، ومصر، والقاهرة، والزراعي المصري، والتجاري الدولي، لاستخدامها وسيلة من وسائل الدفع الإلكتروني.

غير أن تتابع المشكلات والعوائق أمام هذا التطبيق، دفع الحكومة المصرية، إلى الإعلان عن إتاحة الدفع النقدي مرة أخرى، حال تعذر الدفع الإلكتروني بالجهات المختلفة أيا كانت الأسباب، والتي من أبرزها عدم جاهزية نقاط التحصيل الإلكتروني، أو حدوث عطل بالماكينة، أو عدم ظهور تقارير الأداء.

نائب وزير المالية للسياسات المالية أحمد كجوك اعتبر -في تصريحات له على خلفية هذه التداعيات- أن التعديلات والاستثناءات وبروز مشكلات في التطبيق أمر طبيعي، لما هو معلوم من أن أي نظام جديد تظهر بعض الصعوبات حال البدء في التطبيق، لكن يجرى التعامل معها ليصبح نظاما مستداما.

 استثناءات وتعديلات وأخطاء بالجملة مع بدء تنفيذ المنظومة الإلكترونية لدفع وتحصيل المستحقات الحكومية (رويترز)

استثناءات سالبة
وفي الوقت الذي أكد فيه رئيس وحدة الميكنة بوزارة المالية محمد إبراهيم أن السداد الإلكتروني من شأنه القضاء على الفساد والإكراميات ومنع الاحتكاك بين الموظف والمواطن، فإن قرارات الاستثناءات تتنافى مع ذلك، وقد تضمنت على سبيل المثال دفع الغرامات المرورية الفورية على الطرق، وقرارات النيابة العامة.

ويرى إبراهيم أن هذه الإجراءات ستعود بالنفع على الدولة بتحقيق هدف السرعة في تحصيل الإيرادات، ورفع كفاءة أداء وتنفيذ الموازنة العامة بربط القطاع الحكومي والمصرفي إلكترونيا، وتحسين عمليات إدارة الدين العام، ودمج الاقتصاد غير الرسمي في الرسمي.

بدوره، أكد وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب عمرو الجوهري أن من أهداف هذه المنظومة دفع المواطنين والشركات إلى تأسيس حساب بنكي يقومون من خلاله بالتحويلات والإيداعات المطلوبة للدفع غير النقدي، الأمر الذي يزيد موارد البنوك.

وهو الأمر الذي اعتبره كارم عبد الله (عامل بناء) أمرا "مزعجا ومرهقا" حيث إنه لا يجيد التعامل مع الإنترنت، فضلا عن التعامل مع ماكينات الدفع المسبق أو ماكينات البنوك التي لم يسبق له التعاطي معها بأي شكل، كون دخله محددا "باليوم" لا مجال فيه للتوفير الذي يستدعي إنشاء حساب بنكي.

بينما يتخوف سالم أبو رحمة (محصل فواتير) من أن يؤدي إقرار هذه المنظومة إلى الاستغناء عنه وعن كثيرين من زملائه بالعمل، الذين يعملون في مجال تحصيل مستحقات للدولة، حيث إنه بذلك لن تكون هناك حاجة إلى ما يقومون به.

وعلى كل الأحوال، يعتبر أستاذ الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين الخطوة إيجابية وفي صالح المواطنين، حتى وإن شابها عيوب أو كانت لها أهداف انتهازية عاجلة من قبل السلطات القائمة بمصر.

ويشير شاهين -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن الدول الناهضة تسعى إلى الحد من المعاملات النقدية المباشرة لما لها من مساوئ، كما يرى أن تعميم الدفع الإلكتروني والاستقرار عليه، سيسهم في تسهيل المعاملات وتقليل الفساد الإداري.

الحكومة المصرية تأمل في أن يؤدي التحصيل الإلكتروني إلى مكافحة الفساد وإكراميات الموظفين (رويترز)

مآرب أخرى
غير أنه يرى في الوقت ذاته، أن النظام يهدف كذلك من خلال هذه الخطوة إلى شكل من أشكال السيطرة على أموال المصريين عبر إجبارهم على وضع مدخراتهم في البنوك ومن ثم سهولة المتابعة والمراقبة واستغلال ذلك في مسارات مختلفة.

هذه المتابعة يعتبرها الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أمرا مشروعا، فمعرفة دخول ومصادر أموال المواطنين مهم للدولة، وهو في رأيه مسعى محمود يجب تشجيعه، لما فيه من مساهمة في كشف حركة الأموال غير المشروعة.

ويقول عبد المطلب في حديثه للجزيرة نت، إن هذه الخطوة يطالب بها الخبراء منذ فترة طويلة، لما في تقليل اللقاء المباشر بين مقدم الخدمة وطالبها من مصالح واضحة، مشددا على أن الاعتماد على المعاملات إلكترونيا سوف يقلل من الفساد والمحسوبية، ويسهم في التنمية.

ويرى عبد المطلب أن تعميم نظام الدفع الإلكتروني للمعاملات المالية، سواء من خلال تحصيل المستحقات أو دفعها، سوف يحد بشكل كبير من الفساد الإداري، واستغلال النفوذ للحصول على مكاسب مالية غير مشروعة.

لكن الصحفي الاقتصادي عمرو خليفة، يذهب إلى أن عمليات الدفع "الكاش" في مصر لم تكن هي السبب الرئيس في انتشار الفساد والرشاوي داخل أروقة الجهاز الحكومي للدولة، ومن ثم لا يعول كثيرا على إقرار منظومة الدفع الإلكتروني.

ويرى خليفة في حديثه للجزيرة نت أن التسرع في تطبيق هذه الآلية دون التهيئة اللازمة، يلعب دورا في تزايد المشاكل الناجمة عن ذلك، لافتا إلى أن عدد المتعاملين مع البنوك بشكل مباشر في مصر لا يتجاوزون 15%، وثقافة التعامل الإلكتروني غائبة إلى حد كبير.

وأشار إلى أن غالبية الموظفين الحاليين في الجهاز الإداري للدولة لا يجيدون التعامل مع الإنترنت، كما أن العديد من مناطق الجمهورية بعيدة عن تغطية خدمة الإنترنت، معتبرا فشل تجربة امتحانات الصف الأول الثانوي عبر "التابلت"، مبشرا بالنتيجة ذاتها في هذه المنظومة.

المصدر : الجزيرة