الاستثمار الأجنبي في المغرب.. أي واقع للعمالة؟

الاستثمار الأجنبي في المغرب.. أي واقع للعمالة؟

التقارير تشير إلى أن حوادث العمل بالمغرب هي الأعلى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الجزيرة)
التقارير تشير إلى أن حوادث العمل بالمغرب هي الأعلى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الجزيرة)

مريم التايدي-الرباط

لجأت صفاء (25 سنة-مستوى دراسي جامعي) إلى المنطقة الحرة ضواحي القنيطرة (شمال العاصمة الرباط) بحثا عن عمل بشركات تصنيع الألياف الكهربائية الموجهة للسيارات.

غير أن صفاء فوجئت بمستوى المعاملة المتدني، وبالشطط في استعمال السلطة، وفق تعبيرها.

تقول للجزيرة نت "جئنا للعمل الكريم فأهينت كرامتنا وسمعنا الشتم، والابتزاز والتهديد بالطرد، والإذلال".

عبيد بالقانون
تحكي صفاء عن تجربتها بمرارة، وكيف أن العاملات يعملن حتى في يوم عطلة نهاية الأسبوع بشكل إجباري، و تتابع بحزم أن ما يتفق عليه في عقود العمل أمر والواقع أمر آخر.

بزفرة بادية قالت "كنا بمثابة العبيد.. بأوراق قانونية.. ما معنى العقد القانوني الذي لا يحمي كرامتي؟".

ممارسات عديدة تحكيها صفاء وزميلاتها، منها توظيف المتدربين ثم استبدالهم بمتدربين آخرين خصوصا في الأعمال التي لا تتطلب مهارات عالية، والتضييق على العمل النقابي، وتعريض العمال للطرد عقب تأسيسهم مكاتب نقابية في الشركات التي ينتمون إليها، بالإضافة إلى مشكل تنقل العمال في الضيعات الفلاحية الكبيرة الذي يخلف خسائر في الأرواح، والذي يتكرر بشكل مستفز، ناهيك عن حوادث العمل المتكررة، وفق وصفهن.

ماذا عن العمال؟
بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالمغرب نحو 282 مليون دولار في الربع الأول من السنة الجارية حسب مكتب الصرف (المؤسسة المكلفة بإحصاء التبادل التجاري والاقتصاد مع الخارج).

وزارة العمل المغربية قالت إنها تراقب ظروف العمل داخل جميع الشركات بما فيها تلك الموجودة بالمناطق الصناعية الحرة (الجزيرة)

ويعمل المغرب على جذب الاستثمار، ويراهن في ذلك على الاستقرار السياسي وموقعه الإستراتيجي الذي يجعل منه منصة للاستثمار نحو أفريقيا.

ويعمل المغرب جاهدا على تحسين مناخ الأعمال ويعمل على تطوير البنى التحتية.

يشار إلى أن رؤوس الأموال في خضم بحثها عن تنافسية أكبر تتجه لخفض الكلفة والبحث عن يد عاملة مدربة ورخيصة، وأحيانا ومع ضغط نسب البطالة يسود التوظيف خارج القانون، مما يطرح السؤال عن ضمانات العمالة وحقوقها وسلامتها في ظل الاستثمار الأجنبي.

يقول الخبير الاقتصادي مهدي فقير إن علاقة الاستثمار الأجنبي بالعمالة تتحدد في مستويين، الأول يتعلق بعقود العمل واحترام قانون العمل والحد الأدنى للأجور، والمستوى الثاني يتعلق بديمومة فرص العمل نتيجة الطرد أو توقف الشركة.

ويرى المهدي فقير أن قانون الرأسمال لا يعترف بخطاب المظلومية. ولم ينف المحلل الاقتصادي وجود تحايل على القانون، مؤكدا أهمية التدريب المستمر وتعزيز الكفاءات والنجاعة المهنية للعمالة لاكتساب الخبرة وتطوير الشركات.

من جهته، يقول الحقوقي المغربي أحمد الهايج للجزيرة نت إن المنظمات الحقوقية تصل إليها شكاوى رفض "الانتظام النقابي" (تشكيل نقابات) في مجموعة من الشركات الأجنبية، خصوصا بمدينة طنجة (شمال المغرب).

ويرى الهايج أن عالم الواقع مختلف حيث يسود التوظيف خارج القانون ويجري الإجهاز على الحقوق والمكتسبات وتطويع النصوص القانونية لصالح أرباب العمل.

ضمانات الحكومة
توضح "مديرة الشغل" بوزارة الشغل والتكوين المهني سليمة عظمي للجزيرة نت أن "مدونة الشغل" تطبق على جميع الأشخاص المرتبطين بعقد عمل، أيا كانت طرق تنفيذه، وطبيعة الأجر المقرر فيه، وكيفية أدائه، وأيا كان نوع الشركة التي ينفذ العقد داخلهـا.

وشددت على أن "أعوان تفتيش الشغل" يسهرون على مراقبة ظروف العمل داخل جميع الشركات بما فيها التي توجد بالمناطق الصناعية الحرة.

وقالت إنه في حالة ضبط إخلال بقوانين العمل توجه الملاحظات والتنبيهات. كما يتم اللجوء إلى تفعيل الآليات الزجرية، في حالة التمادي، عبر تحرير محاضر بالمخالفات والجنح ضد العاملين، بالإضافة إلى حق العمال المتضررين في تقديم شكاوى إلى "مفتشيات الشغل" (الهيئات المكلفة بمراقبة ظروف العمل).

الاستثمار الأجنبي بالمغرب بلغ نحو 282 مليون دولار بالربع الأول من العام الحالي (الجزيرة)

واقع بلونين
كانت المنطقة الصناعية لأولاد بورحمة بمدينة القنيطرة قد شهدت نقل أكثر من 68 عاملة للمستشفى إثر تسرب لغاز سام تسبب في اختناق العاملات، ووفاة عاملتين (حسب مواقع إخبارية مغربية).

وتعيش طنجة على وقع احتجاجات متوالية نتيجة استهداف النقابيين بالطرد والتعسف والاستغلال، وفق مراقبين.

وأفاد تقرير صادر عن المنظمة الديمقراطية للشغل (غير حكومية) بأن عدد العمال الذين يلقون حتفهم نتيجة حوادث العمل يتجاوز ثلاثة آلاف شخص في السنة، من مجموع نحو 43 ألف حادثة عمل يبلغ عنها كل عام.

وقال التقرير إن "حوادث الشغل" بالمغرب "لا تزال هي الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقا لبيانات مكتب العمل الدولي".

في المقابل، تقول وزارة الشغل المغربية إن حصيلة تدخل "مفتشية الشغل" لإنفاذ القوانين ذات الصلة بقانون العمل أنجزت 34 ألفا و897 زيارة مراقبة للمؤسسات الخاضعة لمجال تطبيق "مدونة الشغل"، تمكن خلالها "مفتشو الشغل" من توجيه ملاحظات تهم الحد الأدنى القانوني للأجر، والصحة والسلامة في العمل، وحوادث العمل، والضمان الاجتماعي، بالإضافة لتحرير محاضر مخالفات وجنح.  

وكان رئيس الحكومة سعد الدين العثماني قد قال -إثر مباحثات كان قد أجراها مع المفوض الأوروبي المكلف بالشؤون الاقتصادية والمالية بيير موسكوفيتشي- إن الحكومة المغربية تعمل على مواصلة الجهود لتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين مناخ الأعمال والرفع من حصة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي.

فهل تعيش العمالة المغربية عالمين أحدهما قانوني وردي، والآخر مواز أسود؟

المصدر : الجزيرة