عـاجـل: رئيس القائمة العربية المشتركة للأحزاب العربية في إسرائيل: رشحنا غانتس لوضع حد لحقبة نتنياهو وإسقاط من حرض علينا

الاستثمارات الأجنبية عقدة الاقتصاد الأوكراني

أحد المصانع الحكومية العديدة التي أغلقت بعد استقلال أوكرانيا (الجزيرة)
أحد المصانع الحكومية العديدة التي أغلقت بعد استقلال أوكرانيا (الجزيرة)

صفوان جولاق-كييف

جلبُ الاستثمارات الأجنبية، شعار رفعته جميع السلطات الأوكرانية المتعاقبة، إذ تجد فيه مخرجا للاقتصاد المتعثر من أزماته المتلاحقة، وحافزا للنمو الذي بالكاد يتحقق.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، استقلت أوكرانيا بإمكانيات صناعية وزراعية وبشرية ضخمة، فقد كانت الدولة الثانية من حيث الأهمية الاقتصادية إبان الاتحاد.

لكن ذلك لم يمكّنها لاحقا من استقطاب بدائل كثيرة عن الاتحاد الذي أدار مقدراتها.

وأغلقت الكثير من كبريات المصانع العسكرية والصناعية والزراعية، وتحولت أوكرانيا شيئا فشيئا إلى دولة مستهلكة تستورد الكثير من حاجياتها الصناعية والغذائية، بعد أن كانت عكس ذلك.

ولتوضيح هذه الحقيقة أكثر، تحدثت الجزيرة نت إلى رئيس شركة الخطوط الجوية الأوكرانية "أنتونوف" لنقل البضائع ميخايلو خارتشينكو، إذ قال "أنتونوف على سبيل المثال كانت مصنعا لا مثيل له عالميا لإنتاج الطائرات وطائرات الشحن الضخمة".

وأضاف "بعد الاستقلال، كان المصنع ثقيلا بميزانياته على حكومات أوكرانيا، التي لم تجد فيه حاجة أصلا، فتحوّل إلى إدارة نفسه بنفسه، وأنشأ شركة خطوط جوية بهدف الإبقاء على المصنع، والاعتناء بما تركه من طائرات".

وفسر خارتشينكو إحجام الدول عن الاستثمار في المصنع بتراجع الحاجة عالميا إلى الطائرات الضخمة، وتأخره أمام منافسات شركات عالمية أخرى، بالإضافة إلى عوامل "الفساد والأزمات".

ميناء مدينة أوديسا إرث سوفياتي ورثته أوكرانيا ويعد من أبرز إمكانياتها الاقتصادية والاستثمارية (الجزيرة)

الفساد والأزمات
لعب عامل الفساد المستشري الدور الأكبر في صدّ الدول وكبريات الشركات عن الاستثمار في أوكرانيا.

وتشير الإحصائيات إلى أنه منذ 1991 وحتى 2004 (عام الثورة البرتقالية) تراوح حجم الاستثمار الخارجي بين 200 مليون دولار و1.7 مليار دولار.

وأسهمت وعود الثورة "الإصلاحية" بالفعل في تحقيق قفزة في هذا المجال، فقد بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية في البلاد نحو 7.8 مليارات دولار بعد عام واحد، ليصل في 2008 إلى نحو 10.9 مليارات دولار.

لكن حجم الاستثمار تراجع سريعا بعد ذلك بسبب الأزمات السياسية الداخلية والأزمة المالية العالمية، فوصل مع بداية 2010 إلى 4.8 مليارات دولار، قبل أن توجّه أزمة 2014 ضربة قاضية إليه ليتراجع إلى نحو 400 مليون دولار فقط.

ضم القرم
شكّل ضم القرم إلى روسيا واندلاع مواجهات عسكرية في الشرق عاملي نفور للمستثمرين. فخلال الأعوام القليلة الماضية لم يتجاوز حجم الاستثمارات 3.5 مليارات دولار.

وقال تاراس باتشينسكي، وهو رئيس شركة خاصة لدراسة المخاطر وتقديم الاستشارات الاستثمارية، إن "قلة من المستثمرين لا يهتمون بالأوضاع السياسية، فالأعمال التجارية في بلدنا تعتمد اعتمادا كبيرا على السياسة وعمل الحكومة".

وأضاف "الاستثمار انهار في 2014، ثم تأثر إيجابا بخطوات التكامل مع الاتحاد الأوروبي، واستقرار الأحداث في الشرق، وحتى بفعل الإصلاحات الأوكرانية".

ألمانيا من الدول التي تستثمر في أوكرانيا بمجال طاقة الرياح والشمس (الجزيرة)

واستدرك باتشينسكي "هذا لم يكن سببا كافيا لإقناع المستثمرين بأن المخاطر الجيوسياسية لن تحدث في أوكرانيا، بالإضافة إلى أن المناخ الاستثماري يتأثر أيضا بالتوترات والنزاعات والمخاطر العالمية".

ومع ذلك، يعتبر باتشينسكي أن العام 2018 كان مميزا، فقد ارتفع مؤشر استثمار رأس المال في أوكرانيا بنسبة 37.4% مقارنة بالعام الماضي، وافتتحت خلاله أكثر من 200 مصنع عالمي فروعا لها في أوكرانيا، مستفيدة من الاستقرار النسبي الذي تحقق ووفرة اليد العاملة الرخيصة، دون وجود أرقام دقيقة عن حجم هذا الاستثمار.

الدول المستثمرة
يظهر عنصر المفاجأة في مسألة الاستثمار عند الحديث عن أكثر الدول استثمارا في أوكرانيا، والمجالات الرئيسية لهذا الاستثمار.

ووفقا لتقرير صدر عن دائرة الإحصاء الحكومية مع نهاية عام 2017، تتربع قبرص على رأس الدول المستثمرة في أوكرانيا بنحو 506 ملايين دولار سنويا.

لكن رغم الحرب العسكرية والسياسية والتجارية وغيرها بين كييف وموسكو، فإن روسيا احتلت المركز الأول بين الدول المستثمرة في أوكرانيا خلال 6 أشهر من العام 2018 بنحو 436 مليون دولار.

وتستثمر هولندا ما قيمته 262.5 مليون دولار، تليها بريطانيا بنحو 211.7 مليونا، ثم ألمانيا بنحو 119.3 مليونا.

 مصنع لإنتاج الزيوت تابع لشركة استثمارية هندية بمنطقة أوديسا في أوكرانيا (الجزيرة)

واعتبر المحلل الاقتصادي أندريه نوفاك أن روسيا تبقى في الصدارة، موضحا أن الاستثمار القبرصي هو في الحقيقة استثمار عكسي للمجموعات الصناعية الأوكرانية الكبيرة، التي سحبت أصولها إلى الخارج بعد 2014 بهدف التهرب الضريبي.

وقال نوفاك "غالبية الاستثمارات الأجنبية تتم بواسطة شركات وبنوك روسية، أعادت هيكلة نفسها بمسميات أخرى، والحقيقة أنه لولا هذا الأمر لاتجه الاستثمار الخارجي في أوكرانيا نحو العدم".

مجالات الاستثمار
بحسب دائرة الإحصاء الحكومية، فإن أبرز مجال تقصده رؤوس الأموال الأجنبية هو تمويل المشاريع والتأمين بنحو 647.5 مليون دولار وفق بيانات 2017، وهنا الصدارة لكل من قبرص وروسيا.

يلي ذلك مجال الصناعة والصناعات الغذائية بنحو 523.4 مليون دولار، وفيه تبرز روسيا وهولندا أكثر من غيرهما.

ثم يأتي مجال تجارة الجملة والتجزئة وتجميع السيارات بنحو 178.4 مليون دولار، وكذلك شراء وبناء وبيع العقارات وإصلاح الطرق والطاقة بنحو 117.9 مليونا، وهنا تبرز كل من قبرص وروسيا وألمانيا معا بالإضافة إلى تركيا.

طائرات أنتونوف الضخمة إرث سوفياتي تعرض للتلاشي بعد استقلال أوكرانيا بسبب ضعف الإمكانيات الحكومية (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة