جدل الخصخصة بمصر.. لماذا تذبح الحكومة الدجاجة التي تبيض ذهبا؟

بيع المصرف المتحد لمجموعة أميركية مجهولة أثار قلق المتابعين (الجزيرة)
بيع المصرف المتحد لمجموعة أميركية مجهولة أثار قلق المتابعين (الجزيرة)

الجزيرة-القاهرة

ربما لم يحمل مصطلح اقتصادي مدلولات سلبية في مصر مثلما حملة مصطلح الخصخصة، الذي تراه المعارضة الباب الخلفي للفساد وتدمير الاقتصاد المصري، عبر ذبح الدجاجة التي تبيض ذهبا، فيما تراه الحكومة الحل الأمثل لتطوير القطاع العام وتحقيق معدلات النمو المستهدفة.

في هذا السياق، تسعى وزارة قطاع الأعمال لبيع عدد من أصول الشركات التابعة للوزارة لسداد مديونياتها لدى عدد من الجهات مثل الكهرباء والضرائب.

ورأى خبراء اقتصاديون في خطوة الحكومة استمرارا للسياسة المعلنة قبل سنوات، وبالون اختبار لاتجاه أكبر ببيع مزيد من الأصول لسداد ديون مصر.

وبلغ حجم ديون مصر الخارجية نحو 93.1 مليار دولار، أما إجمالي الدين العام المحلي فبلغ نحو 3.887 تريليونات جنيه (الدولار نحو 17.3 جنيها)، وذلك في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، بحسب بيانات البنك المركزي.

وقبل ثلاث سنوات خلال الاجتماع الذي عقدته اللجنة الاقتصادية بالبرلمان المصري منتصف عام 2016، شرح محافظ البنك المركزي طارق عامر، رؤيته للنهوض بالاقتصاد المصري وتحفيزه، كاشفا عن بيع أصول للدولة.

وفي السياق نفسه، قالت وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد إنه سيتم طرح حصص في شركات عامة منها شركات بترول.

تصريحات سابقة
في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 كتبت وزيرة التعاون سحر نصر، مقالا في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية قالت فيه إن الحكومة تعتزم طرح شركات حكومية للتداول في البورصة، من بينها شركات المرافق العامة، مثل المياه والكهرباء، الأمر الذي أثار حالة من الجدل في البلاد، وهو ما دفع الحكومة إلى نفي خصخصة شركات المرافق العامة.

وقتها تقدم النائب علاء عبد المنعم ببيان عاجل لرئيس مجلس النواب، وتساءل: "كيف تجرأت الحكومة على إعلان بيع المرافق العامة؟"، مضيفا أن "هذه الأصول مملوكة للشعب وليس من حق الحكومة التصرف فيها".

قبلها بشهرين أعلن وزير قطاع الأعمال العام الأسبق أشرف الشرقاوي، أن الحكومة وضعت خطة لخصخصة 115 شركة عامة.    

 أسهم من الشركة الشرقية للدخان بيعت بأقل من ثمنها لإماراتيين وسعوديين (الجزيرة)

الحكومة تؤكد المخاوف
لم تلبث الحكومة أن أكدت هذه المخاوف بالإعلان قبل أيام عن بيع المصرف المتحد إلى صندوق استثمار أميركي خلال ثلاثة أشهر، دون إعلان عن اسم الصندوق، ما ضاعف من الشكوك حول نواياها، ولاسيما أنه يأتي بعد نحو أسبوعين من الإعلان عن بيع بنك القاهرة.

وأوائل الشهر الماضي طرحت الحكومة طرحا مفاجئا وخاصا لـ 4.5% من أسهم الشركة الشرقية للدخان، ذهب معظمه لصناديق خاصة.

وبيع السهم بنحو 17 جنيها "أقل قليلا من دولار واحد"، لمستثمرين أجانب وعرب، أهمهم الملياردير الإماراتي محمد العَبّار ومجموعة مستثمرين سعوديين اشتروا ربع الأسهم المطروحة.

وبيع السهم بالحد الأدنى للسعر، وأقل مما قدره بنك فاروس للاستثمار في فبراير/شباط الماضي، الذي قال إن القيمة العادلة للسهم في الشرقية للدخان تزيد على هذا الرقم بجنيهين، وهو ما أهدر نحو نصف مليار جنيه على الدولة، مما أثار شبهات مجاملة المستثمرين الإماراتيين والسعوديين على حساب ممتلكات المصريين.

ولا ينفصل هذا الاتجاه عن تأسيس صندوق مصر السيادي الرامي لحصر كل الأراضي التابعة للدولة وغير المستغلة، تمهيدا لـ "استغلالها" بتعبير المسؤولين، أو "بيعها" بحسب ما عبّرت عنه مخاوف المراقبين.

وقال وزير قطاع الأعمال هشام توفيق مؤخرا إن الوزارة تستعد لبيع عشرين مليون متر من الأراضي غير المستغلة من الأصول التابعة لشركات الوزارة، لاستخدام عوائد البيع للتطوير وسداد ديون الوزارة، البالغة 38 مليار جنيه لدى وزارتي الكهرباء والبترول، ومن المقرر طرح الأراضي خلال الشهر المقبل. 

خطة البيع
تشمل خطة الوزارة بيع الأصول غير المستغلة الموجودة في الشركات وهي عبارة عن أراضٍ تتبع شركات الغزل والنسيج والمحالج الحكومية التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، حيث من المقرر بيع أراضي 14 محلج قطن من أصل 25 محلجا، تصل مساحة المحلج الواحد إلى أربعين فدانا.

وتواجه الحكومة جملة عقبات لبيع الأصول على رأسها ضرورة موافقة الجمعية العمومية للشركة، بحسب ما أكدته محكمة القاهرة الاقتصادية في حكم لها عام 2016، حينما أبطلت عقد بيع مطحن في إحدى محافظات الصعيد.

وكشف وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق أن عدد الشركات التي ستطرح الوزارة أراضيها عقب موافقة مجلس الوزراء على تغيير النشاط الاستثماري لها من صناعي إلى سكني يصل إلى 182 شركة.

وفي ذلك التغيير مكمن الخطورة -برأي الكاتب والخبير الاقتصادي ممدوح الولي- الذي قال إن "هذا يعني تحجيم تلك الشركات عن إمكانية الاستفادة من أراضيها لمشروعات صناعية للمستثمرين المحليين أو الأجانب".

وفي حديث للجزيرة نت، أكد الولي أن التوجه لبيع أصول قطاع الأعمال العام ليس بجديد، وأن الوزير الحالي هشام توفيق يكمله، لكن بتوسع غير مسبوق.

وتابع "لو كان التوجه التنموي موجودا لدى السلطة لتم بيع تلك الأراضي حسب ترخيصها كأراض صناعية"، لكن "لا يوجد برلمان يمكنه مناقشة القضية أو إعلام يمكنه طرح القضية للنقاش أو رفع دعوى قضائية لوقف تلك الإجراءات".

واعتبر أن غياب البرلمان والإعلام عن المناقشة جعل الكلمة العليا لأصحاب ذلك التوجه الرامي لتصفية كثير من الشركات التابعة لقطاع الأعمال العام تدريجيا، مضيفا "رغم أن صندوق النقد طالب بخصخصتها أو بيعها للقطاع الخاص، فإنه لم يطالب بتصفيتها كما حدث مع القومية للإسمنت والمحالج وغيرها". 

مصطفى شاهين شبّه خطة الحكومة بسلوك صاحب الدجاجة التي كانت تبيض ذهبا فذبحها بحثا عن الكنز (الجزيرة)

ذبح الدجاجة
من جهته، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين أنه ليس من حق الحكومة بيع أصول هذه الشركات، لأنها لا تملكها أصلا، فهي إما مملوكة للدولة أو أراض منزوعة من أصحابها للمنفعة العامة في مقابل بخس، بحسب وصفه.

وعدّ شاهين هذه الخطوة بداية خطة لما وصفه بـ "تمكين الأجانب من الاقتصاد بدعوى تسديد الديون، بأسلوب خبيث جدا، لإقناع الرأي العام وتصفية قطاع الأعمال بدعوى الديون".

ويذكّر شاهين -في حديثه للجزيرة نت- بحجج سيقت من قبل لتصفية القطاع العام بدعوى تطويره بعد إدخال القطاع الخاص شريكا بنسبة معينة ليقود التنمية، مضيفا "فلا التنمية تمت ولا الصناعة تقدمت، وعلى العكس فالصادرات انهارت".

وانتقد غياب الشفافية والنزاهة عن مثل هذه التوجهات، لكي يعرف المصريون كيف ستباع أصولهم ولمن وبِكَم، مشيرا إلى أن الأرض هي عنصر الثروة الوحيد الباقي المعول عليه لأي تنمية مستقبلية الذي سيتبدد بمثل هذه السياسات.

ويشبه مصطفى شاهين خطة الحكومة بسلوك صاحب الدجاجة التي كانت تبيض ذهبا فذبحها بحثا عن الكنز. 

صفقات مقبلة
بالمقابل، أكد الخبير المالي والمصرفي معتصم الشهيدي أن الاستثمار في مصر يعد فرصة كبرى للمؤسسات والكيانات الاستثمارية العالمية، في ظل تراجع قيمة الأصول مقارنة بقِيَمها في الأسواق والدول الأخرى، مشددا على أن بيع المصرف المتحد لمؤسسة عالمية قد تكون بداية لسلسلة صفقات مقبلة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي.

وفي تصريحات صحفية لفت الشهيدي إلى أن الفرص الاستثمارية في مصر كبيرة للغاية، خاصة أنها تقرأ مستقبل برنامج الإصلاح، مشيرا إلى أن قطاع البنوك يعد الأعلى من حيث معدلات الربحية مقارنة بالقطاعات الأخرى، وهو ما دفع صندوق الاستثمار الأميركي إلى اختيار المصرف المتحد.

المصدر : الجزيرة