إدلب.. ضربات موجعة لصناعة الزجاج والفخار

سيلا الوافي-إدلب

تعرضت الصناعات اليدوية في مدينة أرمناز شمال إدلب (شمال غربي سوريا) إلى ضربات موجعة واندثار جراء تصاعد المعارك في البلاد.

وكانت "أرمناز" تشتهر بالصناعات التراثية القديمة والنادرة، كصناعة الفخار والزجاج المزين بالنقوش، وتمتلك شهرة عالمية في هذا المجال، وكانت تصدر منتجاتها للعديد من الدول.

كما أنها شاركت سابقا بمعرضين في فرنسا، ونالت منتجاتها إعجابا كبيرا من زوار المعرض.

ويقول محمد شقروق مدير معمل زهرة أرمناز لصناعات الزجاج اليدوية للجزيرة نت -وعلامات الأسى على وجهه- تعرضت هذه المهنة لأضرار بالغة بعد أن كانت في أوج عطائها بسبب الأزمة الاقتصادية والقصف الذي تتعرض له المدينة.

وقد "انخفضت المصانع المنتجة للزجاج والفخار بالمدينة، من خمسين مصنعا إلى مصنع واحد فقط، كما توقف التصدير بسبب صعوبة وصول المواد الأولية وغلاء أسعارها، نظرا للظروف الأمنية وهجرة اليد العاملة" يضيف شقروق.

عقبات
يوضح شقروق أن الشهرة التي اكتسبتها أرمناز يعود لتربتها الرملية التي تتميز بها و"أنا كباقي العاملين في هذه المهنة، ورثتها عن والدي الذي ورثها عن جدي لذلك أعتبرها فردا من عائلتي وأخاف عليها كخوفي على أبنائي، فهي قطعة من روحي".

أحد العاملين في مصنع الفخار بمدينة أرمناز شمال إدلب (الجزيرة)

واليوم في ظل المأساة التي تشهدها كل بقاع سوريا تراجعت هذه المهنة من الإبداع وتقديم المميز إلى صناعة أصناف محدودة مثل بلورة ضوء الكاز والنرجيلة وبعض القطع البسيطة.

ويتابع شقروق "بعدما كنا نعمل على مدار السنة يوما بيوم الآن لا نعمل إلا شهور محدودة ولم يعد أحد من أبنائنا يهوى تعلم هذه المهنة لأنها لم تعد تؤمن قوت يومه".

و"مع ذلك نسعى جاهدين إلى إعادة التطور والتقدم لزيادة الجودة الإنتاجية التي فقدناه طيلة السنوات الثماني الماضية"، يقول المتحدث نفسه.
تراث سوري
"اللي بأيدو صنعة بيملك القلعة، ولازم تحس بالطينة حتى تحس فيك وتقدر تأبدع لأنه كل ما كانت مشاعرنا عميقة سواء بالحزن أو الفرح بنعكس هالشي على قطعة الفخار"، بهذه الكلمات عبر حسن المرعي، مالك أحد مصانع الفخار في مدينة أرمناز شمال إدلب، عن مدى انسجامه وحبه لمهنته.

عامل بمصنع الزجاج (الجزيرة)

ويقول المرعي إن هذه المهنة أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياته وقطعة من روحه تحاكي أحاسيسه ومشاعره التي ترتسم على قطعه الفخارية فيبدع من خلالها بنحت مجسمات مميزة نظرا لمجالها الواسع وتقنياتها المتعددة التي تمر بمراحل عدة بدءا من تشكيلها بالعجلة ومرورا بملامستها اليد العاملة ودخولها أفران النار.

ويضيف للجزيرة نت "منذ عشرين سنة وأنا أعمل بمهنة صناعة الفخار اليدوية التي تشتهر بها مدينة أرمناز وتعد من المهن التراثية العريقة والقديمة التي نقلها إلينا أجدادنا ونسعى جاهدين لإتقانها وتوريثها لأبنائنا".

ويستدرك "منذ بدء الثورة السورية وجراء القصف الذي طال مناطق واسعة من إدلب وريفها تراجعت هذه المهنة كثيرا وانخفض عدد المصانع (الفاخورات) المنتجة لها إلى ثلاثة مصانع فقط بعد أن كان هناك أكثر من 15 مصنعا وأصبحت اليد العاملة ضئيلة جدا. فالآن لا نجد سوى معلم الصنعة والمزخرف وخمسة عمال لا أكثر".

ويتابع "بعد أن قطعنا طريقا طويلا من خلال عمل التحف الفنية والصمديات وشلالات الماء بالعجانات والعجلات والأفران الكهربائية الحديثة والسمعة العالمية التي حصلنا عليها من الدول العربية والأجنبية مثل (بلجيكا، ألمانيا، السعودية، لبنان) عدنا بهذه المهنة للعصور الحجرية بعد تدمير البنى التحتية ونتيجة فقدان المعدات وغلاء المواد الأولية وارتفاع أسعار المحروقات وعدم توافر مصدر الطاقة (الكهرباء)".

 عمال داخل المصنع يصهر الزجاج ويجرى النقش عليه (الجزيرة)

ترويج الزجاجيات
ويتابع "عاد معظم الناس وخاصة في أشهر الصيف الحارة إلى الأواني الفخارية باعتبارها وسيلة بديلة للتبريد وحفظ الأطعمة، فأصبح عملنا يقتصر على إبريق الماء والخابية وكأس المتة وجرة الزيت أي (الصناعات اليدوية القديمة) لا غير، ولكنني مازلت أعمل بها من أجل المحافظة على تراثنا من النسيان والاندثار".

ويقول كل من المرعي وشقروق إنه في ظل التطور والإنترنت أصبح عزاؤنا الوحيد لترويج منتجاتنا عبر صفحات التواصل لعلها تكون نافذة الأمل لعدم اندثار هذه المهن التي تعود لأجدادنا وأجداد أجدادنا فهي جزء من تاريخنا، علينا الحفاظ عليه واستغلال كل الإمكانيات المتوافرة لما يجعلنا نستمر بها".

المصدر : الجزيرة