تصاعد الاحتجاجات بالمغرب.. هل يهدد بانفجار اجتماعي؟

ممرضون يحملون نعش التمريض خلال مسيرة احتجاجية بالعاصمة الرباط  (الجزيرة)
ممرضون يحملون نعش التمريض خلال مسيرة احتجاجية بالعاصمة الرباط (الجزيرة)


سناء القويطي-الرباط

شارك في الإضراب الذي خاضه الممرضون وتقنيو الصحة ليومين الأسبوع الماضي، كريم آيت باعلي الذي يعمل تقني أشعة بالمركز الاستشفائي ابن زهر بمدينة مراكش سافر نحو الرباط ليكون إلى جانب زملائه بالمسيرة الوطنية التي انطلقت من وزارة الصحة نحو البرلمان.

يقول للجزيرة نت إن وزارة الصحة تماطل منذ سنوات في الاستجابة لمطالبهم، لذلك لم يعد يثق وباقي الممرضين والتقنيين فيها خاصة وأنها لم تنفذ اتفاقا عقدته مع النقابات عام 2011.

وقررت حركة الممرضين وتقنيي الصحة التصعيد، وتوعدت الحكومة بـ "صيف ساخن جدا" إذا لم تقدم عرضا يروق للتطلعات، وتعتزم الحركة الإضراب ثلاثة أيام في مايو/أيار المقبل وتنظيم اعتصامات جهوية، وإضراب آخر لمدة خمسة أيام في يونيو/حزيران المقبل مع مسيرة وطنية بالرباط واعتصام أمام وزارة الصحة.

ويطالب الممرضون وتقنيو الصحة بالتعويض عن الأخطار المهنية وإحداث هيئة وطنية للممرضين وتقنيي الصحة، والقطع مع سياسة التعاقد بإدماج الممرضين وتقنيي الصحة المعطلين في إطار النظام الأساسي للوظيفة العمومية.

عدوى الاحتجاجات
وتنتقل عدوى الاحتجاجات من فئة لأخرى، فلا يكاد يمر أسبوع دون إضرابات أو وقفات ومسيرات احتجاجية، وتحول شارع محمد الخامس بالعاصمة إلى مقصد لأصحاب المطالب من أساتذة متعاقدين دخلوا شهرهم الثاني في الإضراب وحاملي الشهادات وطلبة كلية الطب والأطباء والممرضين والمتصرفين ودكاترة الوظيفة العمومية وغيرهم من الفئات التي اختارت الإضراب والنزول للشارع للصدح بمطالبها، إلى جانب احتجاجات محلية تشهدها بعض المدن الصغيرة للمطالبة بالتنمية وتوفير فرص الشغل.

ويعزو عبد الإله دحمان القيادي بنقابة الاتحاد الوطني للشغل تصاعد الاحتجاجات إلى فشل الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات منذ فترة الرئيس السابق عبد الإله بنكيران.

احتجاجات أساتذة التعاقد بالعاصمة (الجزيرة)

ويحمل دحمان مسؤولية هذا الفشل للحكومة التي لم تكن حاسمة وصارمة في إنصاف العمال والاستجابة لمطالبهم، وأيضا لبعض المكونات النقابية التي كانت تفاوض في سياق سياسي مطبوع بالاستحقاقات الانتخابية والحسابات السياسية عوض ملامسة القضايا الجوهرية المرتبطة بالفئات المهنية.

هذا الجمود أدى في نظره إلى توترات واحتقانات في مجموعة من القطاعات وخاصة قطاعي الصحة والتعليم اللذين لم يعرفا استقرارا بسبب التغيير المتوالي للوزير المسؤول عنهما، وبالتالي عدم التفاعل مع المطالب العالقة للمهنيين.

الحوار الاجتماعي
ولا يخفي دحمان أن هذه الاحتجاجات المتصاعدة مرتبطة بتنامي الوعي الاجتماعي لدى المغاربة وبالدينامية التي خلقتها حركة عشرين فبراير والربيع الديمقراطي، لذلك يرى ضرورة تعاطي الدولة مع الشأن الاجتماعي وفق مقاربة استباقية ومستدامة.

وقال "ما يخرج المجتمعات اليوم في الوطن العربي ليس المطلب السياسي بالدرجة الأولى ولكن المطلب الاجتماعي الذي يتطور فيتحول إلى مطلب سياسي، وهذا الأمر عشناه في جرادة والحسيمة".

وأضاف "الرهان اليوم على الاستقرار والسلم الاجتماعي، لذلك أقول للحكومة إن تكلفة الحوار الاجتماعي يجب ألا تخضع لعملية الموازنات أي ألا ترى فيها الانعكاس المالي فقط، بل لابد أن نتعامل معها باعتبارها استثمارا في الأمن الاجتماعي وتنمية الاستهلاك الداخلي وفي دورة الاقتصاد".

ويبدو أن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني يتوقع نهاية موجة الاحتجاجات هذه مع توقيع اتفاق مع النقابات، إذ أعلن بالاجتماع الأخير لمجلس الحكومة أن هناك اتفاقا للحوار الاجتماعي بمراحله الأخيرة، واعتبر أن التوقيع على هذا الاتفاق "من شأنه أن يفتح أفقا يعزز السلم الاجتماعي ويعطي دفعة للحوارات القطاعية، كما سيعطي نفسا إيجابيا للعلاقة بين الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين".

جانب من احتجاجات طلبة الطب "المرحلة النهائية" (الجزيرة)

أسباب بنيوية
غير أن مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات محمد مصباح، يرى أن الأسباب الكلاسيكية للاحتجاج المرتبطة بمطالب فئوية أو قطاعية ليست وحدها وراء موجة الاحتجاجات التي يشهدها المغرب، بل هناك أسباب أخرى بنيوية تتعلق بعدم قدرة الحكومة على تنفيذ التزامتها والدفاع عن المواطن البسيط والطبقة المتوسطة التي ازداد عبؤها خلال السنوات الماضية.

ويرى أن السياق الإقليمي له تأثير غير مباشر في هذا الوضع المحتقن، فالحراك في السودان والجزائر فتح شهية عدد من الحركات ذات المطالب الاقتصادية لأن تعيد طرح مطالبها إلى الواجهة.

وتوقع مصباح عودة حركة المعطلين إلى الشارع، وهو ما ظهر من خلال محاولات بعض المجموعات السابقة العودة إلى الاحتجاج والمطالبة بالادماج المباشر بالوظيفة العمومية.

لكن هل سينتهي هذا الوضع بالانفجار؟ "من الصعب التنبؤ بذلك" يقول مصباح رغم إقراره بأن الأسباب البنيوية التي دفعت الناس إلى الاحتجاج في دول أخرى موجودة في المغرب كذلك.

وعلى عكس تعاملها مع حراك 2011 الذي انتهى بتقديم وعود بالإصلاح وتعديل الدستور وانتخابات ديمقراطية أوصلت الإسلاميين للحكومة، فإن الباحث يرى أن خيارات الدولة اليوم "محدودة وأقل من السابق، لذلك هناك تخوف من الرجوع إلى القمع أكثر من الانفراج في التعامل مع هذه الاحتجاجات".

المصدر : الجزيرة