المغرب.. عيون المزارعين تتطلع للسماء ومخاوف رسمية من تراجع النمو

مزارع بضواحي الرباط يبحث عن كلأ لبقرته (الجزيرة)
مزارع بضواحي الرباط يبحث عن كلأ لبقرته (الجزيرة)

مريم التايدي-الرباط 

بوزرته البيضاء (لباس يشبه معطف الأطباء الأبيض) وابتسامة عريضة، اعتاد عبد اللطيف ريان أن يقف بساحة حي الفتح بمدينة الرباط لبيع اللبن ومشتقات الحليب، بسيارته المتجولة.

يشتري عبد اللطيف كل مواده من نساء مزارعات من ضيعات بوقنادل ضواحي مدينة سلا (المحاذية للعاصمة الرباط)، إذ يشتري الحليب الطازج والزبدة والجبن الطبيعي واللبن والكسكس الجاهز للخلط باللبن (وجبة سايكوك).

يخبر عبد اللطيف الجزيرة نت، كيف تتأثر تجارته بشكل مباشر بتأخر التساقطات المطرية، وما ينتج عنه من ندرة الكلأ، وتبعات ذلك على منتجات الأبقار والأغنام وغيرها من الألبان. ويقول إن الجفاف ينقص من مبيعاته بحوالي 70%.

عيون على السماء
يرى بائع اللبن، أن آثار الجفاف بدأت تلوح في الأفق، وأن علامات التذمر بدأت تظهر على الناس، رغم تشبثهم ببعض الأمل في التساقطات الربيعية. 

أما فضيل بوقطب (أب لأربعة أبناء) فيعمل بمزرعته بمنطقة البراشوة بضواحي الرباط، يوزع الماء قطرة قطرة على شتلاته ليضمن بقاءها على قيد الحياة. يرفع فضيل عينه للسماء مترقبا ويرجعها مليئة بالرجاء.

عبد اللطيف بائع لبن متجول (الجزيرة)

يقول فضيل للجزيرة نت بلكنة منطقته "القضية حشمات، وشتا قلات" (الوضع أصبح حرجا في ظل غياب التساقطات).

ويتابع فضيل أن الكلأ بدأ يجف، والدواب عطشت، ومنسوب مياه الآبار يتناقص.

عيش مُرتهن 
فضيل ومثله الكثير من المزارعين في المغرب، من أصحاب الضيعات الصغيرة والمتوسطة ترتبط معيشتهم بشكل مباشر بالأمطار وتراتبية تساقطها حسب المواسم. 

وفي حالة شح الأمطار يعاني المزارع الأمرّين وتتحول "يداه إلى رجليه " بحسب تعبير فضيل، الذي لم يفوت الفرصة لمطالبة المسؤولين عن القطاع بالاهتمام بالمزارع الصغير.

وبرجاء كبير في جود الرحمن بالغيث عبرت سميرة صاحبة ضيعة بسيدي يحيى ضواحي تمارة عن وضع ضيعتها ووضع الضيعات المحيطة بها قائلة "الله يصاوب من عندو" (نسأل الله الفرج).

تراجع النمو وتخوف رسمي
وتوقع البنك المركزي المغربي أن يبلغ إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي الحالي حوالي ستين مليون قنطار، بدلا من ثمانين مليونا المتوقعة سابقا.

وقال والي (محافظ) بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، في ندوة صحافية بالرباط، إن الموسم الفلاحي الحالي سجل انخفاضا في المعدل التراكمي لهطول الأمطار بنسبة 15.1% مقارنة مع الموسم السابق.

كما رصد الجواهري انخفاضا في مؤشر الغطاء النباتي بنسبة 12.2%، مقارنة مع الموسم الفلاحي 2017-2018.

وحسب البنك المركزي ينتظر ألا يتجاوز النمو بالمغرب 2.7% في 2019.

المزارع فضيل بضيعته بالبراشوة ضواحي الرباط (الجزيرة)

فشل في فك الارتهان
لطالما راهن المغرب على فك ارتهان نمو اقتصاده بالقطاع الزراعي، غير أن نسبة النمو بقيت مرتبطة بشكل تناسبي واضح بين سنوات المحصول الزراعي الجيد وسنوات تراجع المحصول. 

وتقاس السنة الفلاحية أساسا في المغرب بإنتاج الحبوب، وتعتبر سنة متوسطة إذا بلغ إنتاج الحبوب فيها بين 65 و80 مليون قنطار، فيما تتجاوز السنة الجيدة 100 مليون.

في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي عبد النبي أبو العرب للجزيرة نت، أن المغرب فشل في فك ارتهان نمو اقتصاده بالقطاع الزراعي، وفشل في فك ارتهان القطاع الزراعي بالأمطار.

واعتبر أبو العرب أن تصريح والي (محافظ) بنك المغرب يثبت مرة أخرى أن الاقتصاد المغربي مرهون بالسماء، وأن بقية القطاعات الإنتاجية الأخرى لم تستطع التأثير في تغيرات معدل النمو.


الوضع مُزرٍ
ويرى الخبير الاقتصادي في حديثه مع الجزيرة نت، أن 50% من الزراعة اليوم هي في مهب الريح، وأن الوضع في جهات عديدة بالمملكة في وضعية مزرية.

ويؤكد أبو العرب أن تأخر التساقطات ينذر بموسم سيء، متوقعا أن يتراجع معدل النمو -في مراجعة ثانية- إلى 2%.

حسب الخبراء فقد فشل المغرب في فك ارتهان نمو اقتصاده بالقطاع الزراعي (الجزيرة)

ويعزو أبو العرب ارتباط معدل نمو الاقتصاد المغربي بالتساقطات إلى بنية الاقتصاد ككل، حيث يشكل حجم القطاع الزراعي حوالي 25%.

ويرى أبو العرب أن المخطط الأخضر (مخطط زراعي إستراتيجي بالمغرب) لم يفِ بكل أهدافه، موضحا أنه نجح في تطوير الزراعة التصديرية، واستفادت منه قلة قليلة من كبار المزارعين.

ولفت أبو العرب أن وضعية المزارع الصغير تكون تحت الصفر حين تجف السماء، ويتبعها تدنٍ في القدرة الشرائية.

وأشار إلى أن الجفاف وندرة التساقطات يؤثر بشكل بنيوي في الاقتصاد المغربي.

المصدر : الجزيرة