سبيطلة التونسية.. زيت التين الشوكي ثروة منسية

سبيطلة التونسية.. زيت التين الشوكي ثروة منسية

جمع ثمار التين الشوكي في سبيطلة (الجزيرة)
جمع ثمار التين الشوكي في سبيطلة (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

وليد الحسيني شاب تونسي أمضى سنوات في المهجر، لكن الحياة الصاخبة لم تثنه عن التفكير في مشروع يثمن ثروات مسقط رأسه "سبيطلة" وسط غربي تونس، ويغريه بالعودة نهائيا إلى الديار.

لم يجد غير فكرة استخلاص زيت التين الشوكي المنتشر بكثرة هناك، ولارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية.

والتين الشوكي ثمرة تشبه الصبار تحتوي على كمية عالية من البذور، غني بالكثير من العناصر المفيدة، مثل الفيتامينات، والأملاح، والكالسيوم، والمغنيسيوم الضرورية للجسم، ومن أشهر أسمائه التين البربري والصبار والهندي، ويزرع في المناطق الجافة التي تتميز بارتفاعٍ درجة حرارتها.

الحسيني أكد أن مشروعه غيّر نظرة سكان منطقته للتين الشوكي (الجزيرة)

بعد اقتصادي هام
نظرا لأهمية قطاع استخلاص زيت التين الشوكي وللنتائج الواعدة التي يمكنه تحقيقها، ولتوفر أراضي وسط غربي تونس على كميات هامة منه، وقعت الحكومة سنة 2014 اتفاقية مع نظيرتها السويسرية أعلن إثرها إنشاء المائدة المستديرة الاقتصادية بالقصرين.

ويهدف هذا الهيكل الثنائي إلى جمع الفاعلين في القطاع الخاص بأصحاب القرار في القطاع العمومي والمجتمع المدني من أجل تحديد عوائق التنمية بمحافظة القصرين، ودعم المبادرات التي تدفع المنظومة الاقتصادية بالجهة، وخاصة أنشطة التين الشوكي ومستخلصاته.

ضمن الأهداف متوسطة المدى تحدثت دراسة مشتركة -قامت بها المائدة المستديرة الاقتصادية بالقصرين وديوان تنمية الوسط الغربي ومركز أعمال القصرين والحكومة السويسرية- عن دعم الباعثين الجدد (أصحاب أفكار المشاريع) ودفع الإنتاج لضمان حضور تنافسي بالأسواق العالمية.

عملية التقطير في سبيطلة (الجزيرة)

طاقة تشغيلية
على الصعيد التونسي، توفر أنشطة استخلاص زيت التين الشوكي حوالي ألف وظيفة مما يعني مورد رزق لألف عائلة من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة. وتجدر الإشارة إلى أن 90% من عمال هذا القطاع من النساء.

وفي محافظة القصرين -التي تضم سبع شركات من بين عشرين موزعة على كامل تراب البلاد- تصنّف بعض مناطقها ضمن العشر الأفقر وطنيا- ويمكن استخلاص زيت التين الشوكي نحو 350 عائلة من مورد رزق موسمي وزهاء 150 عائلة من مورد رزق قار.

يقول الحسيني إن مشروعه غيّر نظرة سكان المنطقة للتين الشوكي الذي انحصر استعماله لعقود في جني الثمار بشكل فردي للأكل، وفي بعض الأحيان تستعمل بقاياه علفا للماشية.

ويضيف أن الفكرة خلفت حركية اقتصادية جديدة نظرا لتعدد الفئات المجتمعية البسيطة المنتفعة منها.

عائدات
يزود الحسيني عبر شركته السوق بثلاثمئة لتر من زيت التين الشوكي أي بنسبة تعادل أو تفوق قليلا 15% من إجمالي الإنتاج وطنيا والذي يعادل ألفي لتر سنويا تتقاسمها عشرون شركة.

ويتراوح سعر اللتر الواحد ما بين 250 وثلاثمئة دولار، ولاستخراجه يتم استعمال طن من ثمار التين الشوكي التي تعطي قرابة الـ 35 كيلوغراما من حبيبات التين التي تتم معالجتها وتقطيرها وتعليبها في انتظار التسويق.

وتسعى تونس إلى رفع إنتاج زيت التين الشوكي ليبلغ سنة 2025 ما يقارب عشرين ألف لتر، أي مضاعفة المنتوج عشر مرات مقارنة بالكميات الحالية.

ولا تتجاوز صادرات مستخلصات التين الشوكي -وأساسا الزيت- 20% من الإنتاج الإجمالي أي ما يقارب أربعمئة لتر تستقبلها مختبرات مواد التجميل الأوروبية، أي ما يعادل نصف مليون دينار من العملة الصعبة (166 ألف دولار) يتم تحويلها من الخارج نحو البنوك التونسية.

وهو رقم لا يلبي التطلعات لكنه يبقى رقم معاملات واعدا نظرا لحداثة النشاط، وتوجيه 80% من الإنتاج نحو السوق المحلية.

التنظيف والغربلة قبل التقطير (الجزيرة)

معضلة التسويق
تسويق المنتوج من مستخلص زيت التين الشوكي من التحديات الكبرى التي يواجهها الحسيني وأمثاله، ونظرا لغياب الدّعم الفعلي بالتسويق فهو مضطر إلى الاعتماد على إمكانياته الشخصية البسيطة في هذا المجال مما يحد من حظوظ وصول منتجه إلى دول أوروبية أخرى.

وتعد المملكة المغربية المنافس الأكبر في مجال إنتاج وتصدير زيت التين الشوكي نظرا للسياسة المتبعة التي جعلت أسعارها لا تقبل المنافسة بالأسواق العالمية.

ويأمل الحسيني أن تنظر تونس بنفس جدية المغرب لهذه الثروة التي تستطيع تغيير واقع وسط غرب في البلاد.

ويعاب على الحكومات التونسية المتعاقبة تهميش مناطق الوسط الغربي وإقصاؤها من مخططات التنمية والتطوير، في حين لا تحتوي هذه المناطق فقط على ثروات نباتية ومائية فقط بل خبرات كثيرة وطموح لتغيير واقع المنطقة.

عقول وأياد لا تخشى وخز الأشواك، وتنتظر تحركات فعلية ودعما يدفع قاطرة التنمية.

 مساحات واسعة بمحافظة القصرين (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة