هل تختفي النقود في بريطانيا؟

هل تختفي النقود في بريطانيا؟

بعض التقارير ترسم مستقبلا من دون أوراق مالية في بريطانيا على غرار السويد (رويترز)
بعض التقارير ترسم مستقبلا من دون أوراق مالية في بريطانيا على غرار السويد (رويترز)

عثمان بوشيخي-لندن

أصبح من المألوف جدا في بريطانيا أن يسألك النُدل في المطاعم أو الباعة في المتاجر عند الدفع "هل تحب أن يكون ذلك نقدا أم بالبطاقة؟"، وأصبح من الطبيعي أن تلجأ لهاتفك الذكي سواء تعلق الأمر بالدفع عند التنقل بالقطارات و الحافلات أو بتناول وجبات الفطور والغداء وفناجين القهوة أو أداء فواتير الماء والكهرباء.

وقد تُفتش جيب إنجليزي في شارع أكسفورد سيركس وسط العاصمة لندن، فلا تعثر فيه على أي ورقة من أوراق الجنيهات الخمسة أو العشرة أو العشرين التي طُبع على جانب منها وجهُ الملكة إليزابيث وعلى الجانب الآخر وجه عالم الاقتصاد آدم سميث أو عالم التاريخ الطبيعي تشارلز داروين أو الروائية الإنجليزية جاين أوستن أو غيرهم من المشاهير.

قابلتُ جيمس (27 سنة، من غرب لندن) في مقهى يعج بالشباب، ففسر لي الأمر ببساطة "إن العيش في مدينة ضخمة مثل لندن يجعل المرء مجبرا على استخدام بطاقات الخصم المباشر البنكية إن أراد ربح الوقت"، وعندما سألتُه إن كان لديه أي ورقة نقدية في جيبه أخرج لي ورقة عشرين جنيها، مؤكدا أنه وضعها فقط للطوارئ.

حرب الأموال "الحقيقية" و"الافتراضية"
يحذر خبراء اقتصاديون بريطانيون من سيناريو انهيار نظام البلاد المالي الذي يسمح للمستهلكين باستخدام النقود المعدنية والورقية، لأنهم أقبلوا بشكل محموم على استعمال البطاقات البنكية في الدفع.

وتشير إحصاءات إلى أن الأوراق لا تُستعمل إلا في ثلاثة من كل عشرة تحويلات مالية بالبلاد، في حين تبقى حصة الأسد خالصة لخاصية لمس البطاقات البنكية الذكية.

ويرجع بعضهم الأمر للجانب الأمني، إذ تكتفي بعض المحلات التجارية بقبول البطاقات من زبائنها، مخافة أن يستهدفها اللصوص الذين قد يسرقون الأوراق المالية إن وُجدت، كما أن هناك عراقيل لوجستية تجعل التعامل بالنقود مكلفا، كالنقل والعد والتدوين والحراسة.

لذلك بادر صاحب مطعم يدعى "الصنارة والتاج" في جنوب لندن إلى رفض تسلم الأوراق النقدية من زبائنه، مكتفيا منهم بالبطاقات بعد حادث سطو على أموال المطعم ليلا.

تؤكد مجموعة "ويتش" (which) التي تُعنى برصد رغبات المستهلك البريطاني وميوله أن ثلاثمئة من آلات الصرف الآلي تُغلق في أرجاء البلاد بمعدل شهري (الجزيرة)

ومن بين مزايا المحفظة الرقمية، كما تقول سارة (26 سنة) الطالبة العربية في لندن أنها "تخفف عن المرء عناء البحث عن مدى صحة أوراقه النقدية والتأكد أنها غير مزورة، وإضافة للأمان تعد هذه المحفظة أكثر نظافة من رزمة الأوراق النقدية".

ولكن السيئ -بحسب سارة- هو "أنه لا يوجد بديل عن الأوراق في حال ضياع البطاقة البنكية أو سرقتها، إذ يستغرق الأمر خمسة أيام على الأقل للحصول على بطاقة جديدة، فكيف العمل إذن عندما أكون في حاجة ماسة للمال؟".

هل ستنقرض النقود من جيوب البريطانيين؟
منذ 2014 أصبحت حافلات العاصمة لندن دون أوراق، فيما تزداد المخاوف من إمكانية خفض آلات سحب النقود في البلاد برمتها.

وتقول الجمعية المالية البريطانية (UK Finance) -ومقرها لندن- إن 63% من البريطانيين يستخدمون خاصية اللمس.

كما تشير التوقعات إلى أن الفئة التي يتراوح عمرها بين 25 و34 سنة، ستكون مستقبلا الأكثر إقبالا على هذه الخاصية، ولا سيما أن الأرقام تفيد بأن 77% من الشباب استخدموا خاصة اللمس الإلكتروني في 2017.

وقد يتخيل المرء أن كبار السن ممن تجاوزوا 65 سنة قد يقاطعون مثل هذه الخاصيات، إلا أن الأرقام تؤكد أن نصفهم قاموا بدفع الأموال إلكترونيا خلال السنة ذاتها.

وكان تقرير قد رسم صورة عن بريطانيا مستقبلا دون أوراق مالية، بل تمشي على خطى السويد حيثُ ترفض المتاجر والمطاعم أخذ الأوراق وتكتفي بالبطاقات، لدرجة أن معدل الدفع هناك بالأوراق انخفض إلى 15% لا غير، مما اضطر الحكومة لحث المواطنين على الاحتفاظ بالأوراق البنكية في بيوتهم في حالات الطوارئ.

وفي وقت يتعزز فيه الاتجاه نحو الإقبال على العملات الرقمية وبطاقات السحب البنكية، قررت بنوك عدة في السنوات الأخيرة في بريطانيا تخفيض أعداد فروعها ليتحول التعامل كله إلى الإنترنت.

بنك إنجلترا يقول إن الأوراق المالية التي تروج في البلاد هي أكثر مما كانت في السابق رغم اتساع رقعة استعمال بطاقات الخصم (رويترز)

لا ثقة في التكنولوجيا
في يونيو/حزيران الماضي، تحدثت صحف بريطانية عدة عن شكوى كثير من المتسوقين، عندما ظلوا عالقين ساعات طويلة في طوابير الانتظار بعد أن أخفق نظام فيزا الإلكتروني.

لذلك يدعو خبراء مصرفيون الحكومة للسماح للبريطانيين بأداء فواتير الكهرباء وضرائب البلديات نقدا، وإنشاء ما سموها لجنة مستقلة تُمولها البنوك، لضمان حصول المتاجر في الأرياف والمدن البعيدة على سيولة نقدية كافية.

وتؤكد الخبيرة المصرفية نتالي سييني -في مقال لها بصحيفة ديلي تلغراف- أن "سيناريو بريطانيا دون أوراق مالية لن يكون في صالح الجميع، ولا سيما أن المرضى المصابين بالشلل الرعاش أو التهاب المفاصل مثلا قد يصعب عليهم استخدام الشاشات التي تعمل باللمس".

وتضيف سييني "أما الذين يعانون من مشاكل عرضية في صحتهم العقلية، فقد ينتهي بهم الأمر إلى إفراغ ما في حساباتهم المصرفية في رمشة عين وبنقرة واحدة".

وقد أشار استطلاع رأي إلى أن 17% من البريطانيين يؤكدون أن الأوراق حاجة ضرورية، كما يؤكد الإداري في الجمعية المالية البريطانية ستيفن جونس أن المجتمع البريطاني بعيد عن أن يصبح مجتمعا دون أوراق مالية، إذ يوجد كثيرون ممن ما زالوا يفضلون الطرق التقليدية في الدفع.

لذلك لا يزال للأوراق محل ومكان محفوظ، ولا سيما لدى الذين لا يثقون في التكنولوجيا.

المصدر : الجزيرة