لماذا يوافق أردنيون على العمل في إسرائيل؟

لماذا يوافق أردنيون على العمل في إسرائيل؟

أحد فنادق إيلات (رويترز)
أحد فنادق إيلات (رويترز)

هديل الروابدة-عمان

إلى شرق مدينة العقبة الأردنية بنحو سبعة كيلومترات، حيث تقع مدينة إيلات الإسرائيلية، يمارس أحمد (اسم مستعار) عمله في أحد الفنادق السياحية، بوظيفة عامل ترتيب غرف (هاوس كيبينغ)، عابرا الحدود الفاصلة بين المدينتين الساحليتين، مجتازا نقاط التفتيش بينهما ذهابا وإيابا كل يوم، في مشهد بدا مألوفا على الحدود التي يعبرها نحو 1500 عامل أردني يوميا.

تردد أحمد (35 عاما) -القادم من محافظة إربد، الذي يعمل نحو تسع ساعات يوميا من الثامنة صباحا وحتى الخامسة مساء- في التحدث إلى الجزيرة نت، قبل أن يفصح عن أن رغبته في توفير دخل يضمن لعائلته المكونة من زوجة وطفلين حياة كريمة، كانت هي السبب الذي دفع به إلى إيلات.

ويقول أحمد -الذي يعمل في إيلات منذ ثلاثة أعوام- "تعبت من البحث عن عمل، وعندما وجدت أعطوني راتب 170 دينارا أردنيا (240 دولارا)، وكيف سيكفي هذا المبلغ شابا عمره 29 عاما؟! وعندما تزوجت لم أستطع توفير إيجار البيت، كنت أستدين وأحيانا يساعدني أبي، ولكن حتى متى سيبقى قادرا على تحملي؟"

ويتابع "عملت أيضا سائق سيارة أجرة، وظننت أن وضعي سيتحسن، وفي يوم ركبت معي امرأة، وعرضت علي العمل في إيلات. في البداية خفت، ولكن عندما سمعت عن الرواتب وافقت، كيف أرفض راتبا قيمته خمسة أضعاف راتبي في الأردن؟"

بيد أن أحمد لن يتردد في ترك إيلات والعودة إلى حضن مدينته وعائلته إن أتيحت له فرصة عمل كريمة، بأجر يكف يده عن العوز والحاجة، بحسب قوله.

معبر وادي عربة البري يربط بين مدينة إيلات الإسرائيلية والعقبة الأردنية (الجزيرة)

مضطرون
باقتضاب، تحدث سامر (اسم مستعار) -الذي يعمل هو الآخر في إيلات منذ عدة شهور- عن أن الراتب الزهيد الذي كان يتقاضاه بعد عمل يستمر نحو 15 ساعة يوميا، مقسمة بين وظيفة صباحية وأخرى مسائية، لم يكن يكفي لأبسط متطلبات الحياة.

وأردف سامر (28 عاما) -الذي قرر أن يفرغ ما في جعبته- "عملي لساعات طويلة سبب لي مشاكل مع زوجتي، ووصلت الأمور لوضع سيئ بينا وكنا سننفصل، كل حياتي عمل ولا نقود كافية، والديون تراكمت ولم أعد أعرف ماذا أفعل، حتى شاهدت إعلانا عن عمل برواتب عالية، وتواصلت مع مكتب التشغيل الذي ساعدني وسهل أموري".

وقال للجزيرة نت إنه تردد في الإقدام على ما اعتبره "مغامرة" العمل في إيلات، غير أنه وافق أخيرا تحت وطأة الفقر والقهر.

سامر -الذي يرافقه مئات الشباب الأردنيين في رحلة الوصول إلى إيلات كل صباح، حاملين همومهم فقط- يرى أن القصص الأخرى لزملائه لا تقل أسى عن قصته، فجميعهم أجبروا على هذا الخيار بعد أن تقطعت بهم السبل وتاهوا في رحلة بحثهم عن عمل كريم، وفقا لتعبيره.

دفعة جديدة
ويتوقع أن يرتفع عدد العاملين الأردنيين في إيلات عقب إعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية توقيع اتفاق جديد مع الأردن يسمح بزيادة عدد العمال الأردنيين في مدينة إيلات.

وبحسب بيان الخارجية الإسرائيلية، فإنه ستتم زيادة عدد العمال الأردنيين خمسمئة عامل، ليصبح العدد الإجمالي للعمال المسموح لهم بالعمل في إيلات ألفي عامل أردني.

العمل في إيلات يخضع لبروتوكول موقع بين الجانبين الأردني والإسرائيلي منذ عام 2000، ليتم إيفاد نحو 1500 عامل على مراحل، عبر ثلاث شركات توظيف أردنية وسيطة.

ويعتبر الجانب الإسرائيلي أن هذه الاتفاقية أحد "ثمار" اتفاقية السلام الموقعة عام 1994 بين الجانبين الإسرائيلي والأردني، لسد النقص في القوى العاملة الإسرائيلية، وتوظيف الأردنيين العاطلين عن العمل، بحسبهم.

وتتركز أعمال الأردنيين بإيلات في قطاع الإنشاءات والخدمات الفندقية، بالحد الأدنى للأجور، في حين يخضع العامل الأردني لإجراءاتٍ أمنية إسرائيلية عالية التعقيد أثناء دخوله أو خروجه، في الوقت الذي يُمنع فيه من المبيت داخل إسرائيل.

تطبيع
تفاجأ مراقبون بموافقة الأردن على إيفاد مواطنين للعمل في إسرائيل لما تحمله من دلالات "تطبيع" مع ما وصفوه بالعدو الوجودي والكيان المحتل، في الوقت الذي تمسّك فيه البيان الختامي لمؤتمر الاتحاد البرلماني العربي 29 المنعقد في الأردن قبل أيام ببند يجرم ويرفض التطبيع مع إسرائيل، تحت شعار "وقف جميع أشكال التطبيع مع العدو الإسرائيلي"، رغم معارضة ثلاث دول عربية.

وعبر ناشطون على مواقع التواصل عن استيائهم من هذا التطبيع، فكتبت النائبة السابقة ميسر السردية عبر صفحتها على فيسبوك "نحن نتنافخ فخرا لبيان البرلمان العربي رفض التطبيع مع إسرائيل، ويوفرون فرص عمل لشبابنا في أم الرشراش - إيلات، أي تطبيع الذي نقف ضده في وقت يمرر كل ما تريده إسرائيل".

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي حسام عايش أن استناد الحكومة إلى إسرائيل كمنفذ لتخفيف البطالة خطر محدق، نظرا لوجود احتمالية استغنائها عن الأردنيين في أي وقت، وبالتالي تدمير نحو ألفي أسرة أردنية، وفقا لوصفه.

فحسب رأيه، إسرائيل ليست "جمعية خيرية"، ولا توظف الأردنيين من أجل "سواد عيونهم"، بل إنها تستفيد عبر ضرب العمالة الفلسطينية من جهة، وتوفير النفقات من جهة؛ فالعامل الأردني يبيت في العقبة على عكس عمالة الدول الأخرى التي تكبدهم نفقات الإقامة في إيلات.

من مدينة إيلات الإسرائيلية (معاريف)

مخاطر أمنية
وحذر عايش في حديثه للجزيرة نت من احتمالية استخدام إسرائيل العاملين الأردنيين لأغراض استخباراتية وأمنية، أو محاولة التأثير عليهم لخدمة أهدافها، عبر استغلال حاجتهم للعمل.

وتساءل عن سبب عجز العقبة ذات الاستثمارات المليونية في قطاعي الإنشاءات والسياحة عن استقطاب الأيدي العاملة الأردنية، بدل دفعها إلى إيلات.

وفي السياق ذاته، يحاول الخبير الاجتماعي حسين الخزاعي أن يفسر سبب سقوط بعض الاعتبارات والثوابت لدى بعض أفراد المجتمع، الذين باتوا يَقبلون العمل في إسرائيل، قائلا "إن الصعوبات المعيشية والسياسات الحكومية السقيمة باتت عوامل طاردة ودافعة لهم للإذعان أمام أول فرصة عمل متاحة، غير آبهين بمكانه وظروفه".

رد حكومي
بدورها، تقول الحكومة -على لسان مصدر مسؤول- إنها لا تجبر الشباب الأردني على العمل في أي بلد. ويضيف المصدر أن الاتفاقية موقعة مسبقا لزيادة أعداد العاملين في مجال الفندقة في إيلات، عبر شركات تشغيل محلية تعرض الوظائف لمن يرغب، ضمن شروط تضمن حقوق الأطراف جميعها، في حين أن المشاكل التي قد تواجه أي عامل أردني هي من اختصاص السفارات، وفقا لقوله للجزيرة نت.

وارتفعت نسبة البطالة في الأردن إلى 18.7%، في حين بلغ عدد طلبات التوظيف التراكمي في ديوان الخدمة المدنية نحو 373 ألف طلب، ولم يتجاوز عدد فرص العمل والمُعيَّنين سنويا ثمانية آلاف، بحسب أرقام رسمية.

المصدر : الجزيرة