رفع سعر الفائدة.. المسمار الأخير بنعش القدرة الشرائية للتونسيين

مخاوف من تداعيات رفع سعر الفائدة (الجزيرة)
مخاوف من تداعيات رفع سعر الفائدة (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يعيش الموظف التونسي سمير المهيري وضعا قاسيا بسبب تراجع قدرته الشرائية في ظل غلاء الأسعار المستمر، غير أن قرار البنك المركزي رفع نسبة الفائدة الرئيسي زاده شعورا أكثر بالإحباط والخيبة بسبب زيادة كلفة التمويل على القروض السكنية.

يعمل سمير سائقا بوزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية الحكومية براتب شهري متواضع يذهب هباء في النفقات اليومية المرتفعة دون أي يدخر شيئا.

وبينما كان يخطط للحصول على قرض بنكي لبناء مسكن صغير فوق منزل والده، صعق بخبر الزيادة بنسبة الفائدة.

يبلغ هذا الموظف 45 عاما لكنه لا يفكر حتى الآن في الزواج لأسباب عديدة أبرزها ضيق الحال مع راتب حكومي لا يتجاوز ثلاثة دولارات شهريا، في وقت زاد لهيب الأسعار نتيجة تراجع الدينار التونسي مقابل العملات الصعبة مما انعكس سلبا على أثمان السلع.

أعباء إضافية
كان سمير ينوي اقتناء قرض بنكي للشروع في تشييد منزل صغير فوق منزل والده المتوفى لاستئجاره مستقبلا وتسديد قرضه المحتمل بحوالي خمسة آلاف دولار، لكنه تراجع حاليا عن الفكرة رافضا قبول أعباء إضافية على كلفة القرض منتظرا عدول البنك المركزي عن قراره.

بنبرة غاضبة يقول المواطن إن تونس لم تعد لها أي سيادة وكل ما تبقى لها هو تطبيق الإملاءات الفوقية لصندوق النقد الدولي الذي يجبرها على رفع نسبة الفائدة للضغط على التضخم، لكنه يرى أن هذا القرار "متسلط" يأتي لينسف الزيادة الأخيرة في أجور الموظفين بالقطاع العام.

وكان الاتحاد العام للشغل (أكبر منظمة نقابية) هدد بشن إضراب عام بكامل المؤسسات والوزارات الحكومية يومي 20 و21 يناير/كانون الثاني الماضي، لكنه توصل إلى اتفاق مع الحكومة في 7 فبراير/شباط الجاري بشأن رفع رواتب الموظفين لتعزيز قدرتهم الشرائية.

 يعتقد مراقبون أن القرار سيثقل التونسيين عند الاقتراض (الجزيرة)

وتتراوح الزيادة المتفق عليها بالنسبة للأطر بالوظيفة العمومية بين 170 و180 دينارا (57 و60 دولارا) بينما تتراوح بين 135 و155 دينارا (45 و52 دولارا) للموظفين العاديين.

وتحتسب الزيادة على أساس 12 شهرا، على أن يصرف القسط الأول منها في مارس/آذار القادم.

ولم تكن هذه الزيادة بأجور الموظفين مبرمجة بقانون الميزانية لسنة 2019 مما أثار حفيظة صندوق النقد الدولي الذي اشترط على الحكومة تجميد أجور الموظفين للحد من كتلة الرواتب البالغة 16.5 مليار دينار (5.38 مليارات دولار) أي 14% من قيمة الموازنة لسنة 2019.

أزمة قطاع البناء
يرى فهمي شعبان رئيس "الغرفة النقابية للباعثين العقاريين" أن قرار المركزي رفع نسبة الفائدة يزيد كلفة القروض البنكية لاقتناء أو بناء مسكن، ويعمق أزمة القدرة الشرائية المتدهورة للمواطنين ويغذي حالة الكساد.

ويقول للجزيرة نت إنه طالب المركزي عن طريق مراسلات بإحداث خط تمويل خاص للقروض السكنية، وإقرار نسبة فائدة تفاضلية عليها والتخفيض في نسبة التمويل الذاتي من 20 إلى 10% من قيمة المسكن لمساعدة المواطنين على اقتناء مساكن جديدة.

ويؤكد شعبان أن مواصلة المركزي الزيادة المتتالية بنسبة الفائدة -بحجة التحكم في التضخم المرتفع إلى 7.1% حاليا- أصبحت تثقل بقوة كاهل الباعثين العقاريين (شركات التطوير العقاري) والمواطنين المستدانين جراء ارتفاع كلفة القروض البنكية فضلا عن غلاء نفقاتهم اليومية في الحياة.

شعبان: هل يلجأ الموظف البسيط للسرقة أم الارتشاء لمجابهة ظروفه الصعبة؟ (الجزيرة)

ويتساءل شعبان بشيء من الاستياء "عندما يثقل المركزي أعباء المواطنين بنسبة عالية من الفوائد كيف يمكن للموظف الحكومي البسيط أن يلتزم بسداد ديونه؟ هل يلجأ إلى السرقة مثلا أم للارتشاء والفساد لمجابهة ظروفه الصعبة في وقت تسعى فيه الدولة لمحاربة الفساد؟".

وهذه المعاناة لا تنطبق على المواطن فقط، إذ تعيش شركات التطوير العقاري وضعا ماليا صعبا لأنه لا يقدر على سداد قروضه إلا عند بيع الشقق.

وتضرر قطاع البناء والبعث العقاري كثيرا لخضوعه للأداءات ورسوم التسجيل والرسوم الجمركية ورسوم الاستهلاك، كما يقول.

ويبرر الخبير الاقتصادي معز الجودي قرار المركزي رفع في نسبة الفائدة بقراءته للأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسبة التضخم نتيجة زيادة نسبة الدين الأسري، وتطور قيمة الاستهلاك مقابل تراجع حجم الإنتاج، مما تسبب في ارتفاع الأسعار.

إجراء خاطئ
ويقول الجودي للجزيرة نت إن المركزي كمؤسسة مستقلة عن الحكومة تقوم بتفعيل آلية رفع نسبة الفائدة للحد من الاقتراض وبالتالي التضخم، وهو قرار يرى أنه مرتبط بتوصيات صندوق النقد الدولي التي تطالب برفع نسبة الفائدة مهما كان سباق البلاد لكبح التضخم.

لكنه يعتقد أن هذا الإجراء لن يجدي نفعا لحل معضلة التضخم والحد من ارتفاع الأسعار، مشيرا إلى أن المركزي قام منذ مارس/آذار الماضي برفع نسبة الفائدة ثلاث مرات من 5 إلى 7.75% حاليا، لكن التضخم حافظ على نسقه التصاعدي بلا توقف.

رفع سعر الفائدة ثلاث مرات لتصل 7.75% (الجزيرة)

ويرى الجودي أن رفع نسبة الفائدة ستكون له أضرار جسيمة خاصة على مستوى ارتفاع كلفة القروض وتمويل المؤسسات مما سيزيد في إضعاف القدرة الشرائية، ويثقل كاهل المؤسسات بمشاكل التسيير، ويعطل الاستثمار والنمو والتشغيل في مناخ أعمال ضبابي ومتدهور.

نزف الدينار
وطالما بقي نزف الدينار مستمرا بسبب تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة وارتفاع عجز الميزان التجاري إلى مستويات قياسية، يقول الجودي إنه في ظل التضخم الناتج من غلاء المواد الأولية والسلع القادمة من الخارج ستستمر حالة الغلاء وأزمة التضخم.

وعبرت عديد المنظمات والأحزاب السياسية عن رفضها الشديد لقرار المركزي رفع نسبة الفائدة على غرار منظمة أرباب الأعمال واتحاد الشغل واتحاد الفلاحة والصيد البحري، معربين عن تخوفاتهم من استفحال معضلة التضخم.

وتم تخصيص جلسة عامة الاثنين المقبل بمجلس نواب الشعب (البرلمان) لمساءلة محافظ المركزي مروان العباسي عن دوافع اتخاذه قرار رفع نسبة الفائدة، علما بأن الأخير أكد بمؤتمر صحفي أن القرار يأتي في سياق الحد من الآفاق التضخمية ومخاطرها على الاقتصاد.

المصدر : الجزيرة