المصريون والغلاء.. متى تنتهي موجات ارتفاع الأسعار؟

محمد سيف الدين-القاهرة

 

يأمل أكرم طلعت -موظف مصري- أن تمر الأشهر المقبلة بسلام دون أي زيادة جديدة تطرأ على الأسعار الحالية المرتفعة من الأصل، لأنه لم يعد يحتمل مزيدا من الأعباء المالية التي أثقلت كاهله.

وعلى مدار نحو عامين عانى طلعت -الذي يصف نفسه بأنه كان أحد أبناء الطبقة المتوسطة- كثيرا من ارتفاع الأسعار بعد قرار تعويم الجنيه في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

 

ويشير طلعت في حديثه للجزيرة نت إلى أن  دخله الشهري قبل التعويم كان ثلاثة آلاف جنيه (171 دولارا) وكان يستطع سد احتياجات منزله بكل سهولة، أما الآن فمرتبه أصبح لا يعادل 1500 جنيه.

 

ولسد احتياجات أسرته يقول طلعت إنه لجأ للبحث عن عمل إضافي، بجانب عمل الأساسي (مندوب تسويق بشركة أدوية خاصة)، مضيفا أن هذا الدخل الإضافي هو الآخر لا يكفي احتياجات أسرته.

 

ويعتقد طلعت أن ارتفاع الأسعار أثّر بشكل سلبي على أسرته، وقال "كنا نخرج على الأقل مرة في الأسبوع، أما الآن بسبب انشغالي طوال اليوم وعلى مدار الأسبوع بسبب ظروف العمل الإضافي بات الأمر شبه مستحيل".

 

طلعت أصبح في حيرة من أمره بعد التسريبات الإعلامية التي تتحدث عن زيادات جديدة في الأسعار خلال الأشهر المقبلة، متسائلا: "والله ما عارف أعمل أيه؟! هل تدفعنا الدولة للسرقة.. لنا الله".

 

حال طلعت كحال كثيرين في مصر ممن أنهكتهم قرارات الإصلاح الاقتصادي، حيث تراجعت الطبقة المتوسطة في مصر بعد سلسلة الزيادات في رفع الأسعار، وأصبح عددها لا يزيد على 15%، بعدما كانت تمثل 60٪ من المصريين (نحو مئة مليون نسمة إجمالي السكان)، وفق تقديرات خبراء تحدثوا للجزيرة نت.

 

ويبدو أن آمال طلعت، ومعه 25 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر -وفق تقديرات رسمية- ستتحطم على صخرة القرارات الحكومية، حيث رفعت وزارة المالية المصرية، الأسبوع الماضي، تقديراتها المبدئية لسعر صرف الدولار مقابل الجنيه في ميزانية السنة المالية الحالية 2018-2019، وكذلك متوسط سعر الفائدة على أدوات الدين الحكومي.

 

وقدرت الوزارة في تقرير نصف سنوي متوسط سعر صرف العملة المحلية عند 18 جنيها للدولار في السنة المالية التي تنتهي في الثلاثين من يونيو/حزيران المقبل، بدل 17.25 جنيها في التقدير السابق.

 ارتفاع الأسعار يزيد الأعباء المالية على الأسر بمصر (الجزيرة)

 آثار سلبية
وعن مدى تأثير هذا القرار على المصريين، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين أن زيادة الدولار في الموازنة العامة للدولة سيكون لها أثر سلبي كبير.

 

ويقول شاهين في حديثه للجزيرة نت إن "هذا القرار بمثابة إعلان لتقليل الدعم المقدم للمصريين، كالصحة والتعليم والطرق".

 

وأوضح الخبير الاقتصادي المصري المقيم في الخارج أنه إذا أرادت الحكومة أن تحافظ على نفس المستوى السابق من الخدمات كالصحة والتعليم، سيكون بنفقات أعلى وزيادة أكبر؛ نظرا لارتفاع سعر الدولار، مما يزيد العجز في الموازنة العامة للدولة.

 

الدين العام الداخلي والخارجي سيتأثر هو الآخر بهذا القرار، كونه مقوّم بالدولار الأميركي، وتتولى الحكومة المصرية سداد أقساط وفوائد هذا الدين بالعملة الصعبة، مما يعني أن أي زيادة ستكون عبئا على الدولة وموازنتها العامة، وفق ما أوضح الخبير الاقتصادي ممدوح الولي.

 

وفي حال زيادة سعر الدولار مقابل العملة المحلية، تتحمل الدولة في الموازنة العامة نحو ثلاث مليارات جنيه تقريبا.

 

ومن المتوقع أن يصل سعر الدولار بنهاية العام الجاري إلى نحو 19.6 جنيها، وفق توقعات وحدة البحوث بشركة "إتش سي" لتداول الأوراق المالية.

 

وفي المقابل، ترى أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس يمنى الحماقي أن قيام وزارة المالية برفع سعر الدولار في الموازنة يعد مجرد إجراء احتياطي ضد تقلبات سعر الصرف المتوقعة خلال الفترة المقبلة.

 

وأوضحت في تصريحات صحفية أن رفع سعر الدولار في الموازنة يسهم في الحد من تفاقم نسبة العجز، إلى جانب تحقيق المستهدفات الخاصة بالدين العام".

المصريون ينتظرون ارتفاعات جديدة في الأسعار (الجزيرة)

زيادة متوقعة
ارتفاع سعر الدولار في الموازنة العامة للدولة، من المرجح أن يرفع أسعار العديد من الخدمات الأساسية في مصر، وعلى رأسها المواصلات والسلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والأدوية.

 

الزيادة الجديدة في الأسعار لن تقل عن 20 إلى 30%، وفق ما توقعه ثلاثة تجار جملة بمنطقة وسط القاهرة، تحدثوا للجزيرة نت.

 

واستباقا للزيادات المتوقعة في أسعار البنزين في أبريل/ نيسان المقبل، قررت شركة "أوبر" للنقل التشاركي في مصر رفع خدماتها بنسبة 20%، في حين ستصل الزيادة في المواصلات إلى ما بين 15 و25%، وفق توقعات عدد من سائقي سيارات الأجرة.

 

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قررت الحكومة المصرية ربط سعر بنزين أوكتان 95 بالسعر العالمي وسعر الصرف بشكل ربع سنوي.

 من المرجح أن يزيد ارتفاع سعر الدولار في الموازنة العامة تكاليف الخدمات الأساسية في مصر، وعلى رأسها المواصلات والسلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والأدوية

 

وتأتي هذه الخطوة بعد ثلاث مرات سابقة رفعت فيها الحكومة أسعار الوقود منذ تعويم الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني  2016 ضمن اتفاق قرض قيمته 12 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي.

 

وعن مصير بقية أنواع البنزين، وهي الأكثر استخداما، تستعد الحكومة لرفع الدعم عنها في يونيو/حزيران المقبل، على أن يتم التنفيذ في سبتمبر/أيلول المقبل، وفق ما كشفته وكالة بلومبيرغ.

 

وتعد الخضراوات والفاكهة والدواجن والأسماك أحد أهم المنتجات التي ستتأثر برفع الدعم عن الوقود، حيث توقع عاملون في مجال الزراعة والتجارة زيادة الأسعار بنسبة لن تقل عن 30%.

 

ودائما تدافع الحكومة المصرية عن قرارات رفع أسعار الوقود، وتقول إنها تأتي في إطار تعزيز خطة ترشيد دعم السلع، وخفض العجز في الموازنة العامة للدولة، وهو ما دفع كثير من المصريين للتساؤل حول توقيت جني ثمار هذا الإصلاح الاقتصادي.

 

ويرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن ما يتم في مصر الآن هو إصلاح مالي ونقدي.

 

ويقول الولي في حديثه للجزيرة نت إن الإصلاح الاقتصادي التي تقوده الحكومة المصرية الآن يغفل الاهتمام بالجانب الإنتاجى، بما يزيد المعروض من السلع ويدفع الأسعار للتراجع.

 

وأوضح أن الجوانب الإنتاجية ستتيح فرص عمل جديدة تمتص جانبا من البطالة الحالية وتحسن مستوى معيشة هؤلاء المشتغلين.

المصدر : الجزيرة