أزمة الرواتب تحرم آلاف الأسر بغزة من لقمة العيش

أحد أسواق مدينة غزة يكاد يخلو من الزبائن نتيجة انقطاع الرواتب (الجزيرة)
أحد أسواق مدينة غزة يكاد يخلو من الزبائن نتيجة انقطاع الرواتب (الجزيرة)

حنين ياسين-غزة

يحاول الكهل الفلسطيني عمر عبد الهادي أن يتوارى عن عيون طفلته هيام خلال ساعات النهار حتى لا تسأله عن قطعة الشوكولاتة التي اعتاد على تقديمها لها عندما يعود إلى المنزل، فهو لم يعد يملك المال ليشتريها لها بعد أن قطعت الحكومة الفلسطينية في رام الله راتبه بداية الشهر الجاري، ضمن خمسة آلاف موظف في قطاع غزة.

ويقضي عبد الهادي يومه يتجول في شوارع وأزقة مدينة غزة يبحث عن عمل بعد أن فقد مصدر رزقه الوحيد، وبات غير قادر على توفير احتياجات أفراد أسرته أو دفع إيجار منزله في ظل أوضاع اقتصادية قاسية يمر بها قطاع غزة.

انتظار دون جدوى
ينتظر أبناء الكهل الفلسطيني الستة وزوجته يوميا أن يعود والدهم بلحم أو خضار لإعداد الطعام، لكنه منذ أكثر من أسبوع لا يرجع إلاّ وهُم نيام، فيكتفون بتناول قليل من الأرز المسلوق أو قطعة صغيرة من الجبن.

وهو جالس على حافة الرصيف مقابل منزله في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، يقول عبد الهادي للجزيرة نت "تلقيت خبر قطع راتبي مثل الصاعقة، أنا أقطن منزلا بالإيجار وأحد أبنائي يدرس بالجامعة وكنت اعتمد على راتبي لتلبية جزء بسيط من احتياجات أفراد أسرتي، خاصة أننا منذ نحو عامين ونحن نحصل على 50% من الراتب فقط".

بعد أن كسر عودا خشبيا كان يمسكه بين أصابعه، يكمل عبد الهادي حديثه: "أخرج يوميا من منزلي صباحا وأعود بالليل، لا أريد أن أرى تلك النظرة الحزينة في عيون طفلتي هيام التي لم تكمل الأعوام السبعة عندما تطلب مصروفها.. بت أخجل من زوجتي وأبنائي، فمنذ نحو أسبوع لم أوفر لهم أي نوع من الطعام. يعتمدون على ما تبقى بالمنزل من الأشهر الماضية".

تلك الكلمات خرجت بنبرة منكسرة وتبعتها لحظات صمت حدق خلالها عبد الهادي في الأفق، قبل أن يتابع "والله لا أعلم ماذا سوف أفعل؟ لا أملك قرشا واحدا".

الحكومة الفلسطينية قطعت رواتب خمسة آلاف موظف في مدينة غزة (الجزيرة)

ويضيف "لقد دمرت الحكومة حياتنا وستشردني من منزلي قريبا. منذ شهرين لم أدفع الإيجار وقد يطردني مالك البيت في أية لحظة إذا لم أدفع".

يقف الكهل الفلسطيني من جلسته منهيا حديثه: "أنا إنسان بسيط لا أنتمي لأي من التنظيمات الفلسطينية، فضلت العيش في وطني على الهجرة، ولم أتخيل في أسوأ كوابيسي أن يأتي علي يوم لا أجد ما أطعم به أبنائي".

وبداية فبراير/شباط الجاري، قالت فصائل فلسطينية بينها حركتي حماس والجهاد الإسلامي -في بيانات منفصلة- إن السلطة الفلسطينية قطعت رواتب خمسة آلاف من موظفيها في غزة، بينهم مئات من عائلات الشهداء والأسرى والجرحى.

ولم يتسن الحصول على تعليق من الحكومة الفلسطينية برام الله بشأن ذلك.

الخضار الرديئة خيار وحيد
وعلى مقربة من منزل عبد الهادي في سوق مخيم الشاطئ، كان الفلسطيني سليمان بدوان (خمسون عاما) يسأل البائع إن كانت لديه خضروات قديمة حتى يحصل عليها بسعر زهيد ويتمكن من شراء كمية تكفي أفراد أسرته.

اعتاد الفلسطيني بدوان منذ أكثر من عام أن يأتي إلى السوق يوميا لشراء الخضروات الذابلة الفائضة من اليوم السابق بثمن زهيد، فهو لا يتلقى إلا 50% من راتبه مثل بقية موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة.

يقول بدوان للجزيرة نت "كان راتبي يصل إلى نحو 1900 شيكل (527 دولارا) وبالكاد يكفي أسرتي، وبعد الخصم أتلقى نحو خمسمئة شيكل (250 دولارا) ولا أستطيع بهذا المبلغ توفير أدنى احتياجات المنزل".

ويعاني الرجل الفلسطيني من مرض "روماتيزم المفاصل"، ويحتاج إلى أدوية بقيمة مئة شيكل شهريا (27 دولارا)، إلا أنه في كثير من الأحيان يفضل أن يحضر طعاما لأبنائه بدلا من شراء الدواء.

يقول "تراكمت علينا الديون، ولم أتمكن من تسديد رسوم جامعة ابني هذا الفصل، حتى أجرة المواصلات لا أملكها وأضطر في أحيان كثيرة للمشي رغم آلام مفاصلي، ولا أدري لماذا تقحمنا السلطة بخلافتها السياسية مع حركة حماس؟".

المؤشرات الاقتصادية في غزة سلبية ونسبة البطالة تجاوزت 55% (الجزيرة)

وقطعت السلطة الفلسطينية منذ أبريل/نيسان من العام قبل الماضي 30% من رواتب موظفيها في غزة، قبل أن ترفع النسبة إلى 50% في أبريل/نسيان 2018.

وبداية الشهر الجاري، قلصت السلطة نسبة الاقتطاع من جزء من موظفيها إلى 25%، فيما بقي جزء آخر يحصل على 50% من راتبه فقط، بحسب وسائل إعلام محلية.

وتقول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) -التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007- إن قطع الرواتب يأتي ضمن إجراءات عقابية يفرضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس على القطاع، وهو ما نفته الحكومة برام الله وأرجعت الاقتطاعات إلى "خلل فني".

وضع اقتصادي كارثي
وبشأن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لأزمة الرواتب في غزة، يقول المحلل الاقتصادي محمد أبو جياب إن "الوضع الاقتصادي في غزة أصبح كارثيا بمعنى الكلمة، نحن دخلنا مرحلة الرمق الأخير والانهيار الاقتصادي المتسارع بشكل مخيف".

ويضيف أبو جياب في حديث للجزيرة نت "كل المؤشرات الاقتصادية في غزة سلبية ومنهارة. فنسبة البطالة تجاوزت 55%، ومعدل الفقر وصل إلى 75%، إضافة إلى أن 80% من المجتمع الفلسطيني يعتمد على المساعدات الغذائية الأجنبية والمحلية".

ويتابع "نحن أمام حالة مشوهة للاقتصاد الفلسطيني، وانهيار شامل في كافة القطاعات، وهذا يهدد الأمن والسلم الاجتماعي ويرفع نسبة الجرائم وتعاطي المخدرات والاتجار بها، إضافة إلى أنه يقود القطاع إلى حالة من التفكك الاجتماعي".

ويوضح أن رواتب السلطة كانت تشكل مصدرا رئيسيا للأموال بقطاع غزة، والآن بعد حجب جزء كبير منها وتقليص الجزء الآخر، توقفت الحركة الشرائية بشكل شبه كلي، ومئات المتاجر والشركات أغلقت أبوابها بسبب الخسائر التي تكبدتها.

وفي تقرير أصدره البنك الدولي في سبتمبر/أيلول الماضي، حذر البنك من أن المواطنين بغزة يعانون شحا كبيرا في السيولة، مما يتسبب باتجاه اقتصاد القطاع نحو الانهيار.

وأكد التقرير أن المساعدات المقدمة للقطاع لا تستطيع توفير احتياجات السكان في ظل ارتفاع نسبتي الفقر والبطالة.

المصدر : الجزيرة