خسر 4 مليارات دولار.. المغرب يعطي مهربي الأموال فرصة أخيرة لتسوية أوضاعهم

مشهد من دار السكة في العاصمة المغربية الرباط (الجزيرة نت-أرشيف)
مشهد من دار السكة في العاصمة المغربية الرباط (الجزيرة نت-أرشيف)

مريم التايدي-الرباط

"إذا كان المغرب يحظى بالثقة في الخارج، فإن الرهان اليوم هو أن نعيد هذه الثقة داخليا، حتى نتمكن من وضع أسس مرحلة جديدة شعارها المسؤولية والمواطنة الحقيقية من أجل بناء المستقبل".. بهذا دافع وزير المالية والاقتصاد وإصلاح الإدارة المغربي محمد شعبون عن إعلان تسوية طوعية بشأن الممتلكات والموجودات المحتفظ بها خارج المغرب من قبل الأشخاص الذين أخلوا بالتزاماتهم (المهربون) تجاه مكتب الصرف، وتسوية طوعية جبائية في الداخل وفق الإجراءات المتخذة ضمن مشروع قانون الموازنة للسنة 2020.

جدل الثقة
أثار اعتماد إجراء المساهمة الإبرائية -سواء المتعلقة بالخارج أو بالذمة الجبائية- جدلا كبيرا داخل المغرب بين مؤيدين له، ومعارضين يرون أنه تشجيع على التهريب والتملص الضريبي، والتطبيع معهما.

وإجراء المساهمة الإبرائية تسوية طوعية ضريبية تقوم على مبدأ العفو عن المخالفين مقابل التسوية.

وأوضح الوزير شعبون يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أمام أعضاء لجنة المالية والتنمية الاقتصادية والتخطيط بالغرفة الثانية في البرلمان المغربي عقب النقاش العام لمشروع قانون الموازنة 2020، أن الحكومة لم تدرج ضمن الموازنة درهما واحدا من الموارد التي ستأتي من المساهمات الإبرائية المقترحة، مؤكدا أن هدف هذه التدابير إعادة الثقة لا البحث عن موارد لسد عجز الموازنة.

وستخصص 50% من حصيلة المساهمة الإبرائية لصندوق التماسك الاجتماعي.

ويعتقد الخبير في التشريع المالي عادل الخصاصي أن الدافع إلى هذا الإجراء الضريبي هو استعادة علاقة الثقة.

ونفى الخصاصي في تصريح للجزيرة نت أن تكون المساهمة الإبرائية تطبيعا مع التهريب، معتبرا أن دافع البعض لتهريب الأموال إلى الخارج هو التنصل من المقتضيات القانونية والتنظيمية المعمول بها.

من جهته، يعتقد الخبير الاقتصادي الدولي لحسن حداد أن بناء الثقة يقتضي حل الإشكالات المباشرة التي يشتكي منها المخالفون ويخافون منها، والتي تمنعهم من استرداد ما تم تهريبه.

ويرى حداد في حديث مع الجزيرة نت أن من لم يتمكن من التصريح في الفرصة الأولى عام 2014 حين اعتُمد الإجراء في الموازنة، فيمكن أن تتاح له فرصة، لكن أن تعطى فرص ثانية لذوي سوابق في التهريب وتحويل الأموال بطرق غير شرعية فهذا "أمر غير معقول".

التسوية الضريبية الطوعية مكنت المغرب من استرجاع نحو 3 مليارات دولار عام 2014 (الجزيرة-أرشيف)

عفو تحفيزي!
يعتبر اكتساب أموال وممتلكات في الخارج أو إخراجها من المغرب دون تصريح لدى السلطات المختصة، جريمة مالية في التشريعات المغربية تعرّض صاحبها للمتابعة الإدارية والقضائية.

واشترط المشرّع المغربي -حسب إجراء المساهمة الإبرائية- أن يسترجع الأشخاص الذاتيون (الأفراد) الأموال السائلة ويبيعوا نسبة منها لا تقل عن 25% في سوق الصرف بالمغرب مقابل الدرهم، مع إمكانية إيداع الباقي في حسابات -بالعملة الصعبة أو بالدرهم القابل للتحويل- مفتوحة لدى مؤسسات الائتمان المعتمدة -باعتبارها بنكا- الموجودة بالمغرب.

وحدد المشرع نسبة المساهمة الإبرائية بـ10% من قيمة اقتناء الممتلكات العقارية المنشأة بالخارج، ونسبة 10% من قيمة اكتتاب أو اقتناء الأصول المالية والقيم المنقولة وغيرها من سندات رأس المال أو الديون المنشأة بالخارج.

كما حدد نسبة 5% من مبلغ الموجودات النقدية -بالعملة المُرجعة إلى المغرب والمودعة في حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدرهم القابل للتحويل، ونسبة 2% من مبلغ السيولة بالعملة المرجعة إلى المغرب والمباعة في سوق الصرف المغربي مقابل الدرهم.

وكانت المساهمة الإبرائية قد وصفت على عهد حكومة عبد الإله بنكيران بأنها سياسة "عفا الله عما سلف"، ومكنت المغرب من استرجاع 27.8 مليار درهم (2.9 مليار دولار) إلى خزينة الدولة نهاية العام 2014 بعد تسجيل 19 ألف تصريح تلقائي، واعتبرت آنذاك إجراء استثنائيا، فهل نجحت هذه الوصفة في تحقيق "توبة" بعض المخالفين؟

يعتقد الخصاصي أن الإجراء يظل شكلا من أشكال المواءمة مع التطور الذي يشهده التشريع المالي الدولي، وهو إجراء استثنائي له ما يسوغه من الناحية السياسية والقانونية والاقتصادية، في حين يعتبر لحسن حداد أن تبسيط الإجراءات ومرونة الصرف وتحرير الدرهم طرق كفيلة بحل إشكال التهريب.

وانتقد حداد اختلاف النسب بين الموجودات السائلة والعينية، مشيرا إلى أن فتح حساب بالعملة الصعبة كاف، وقال باعتماد نسبة واحدة على كل الموجودات في الخارج لإمكانية تحويلها من سائل إلى عقار أو العكس.

 المغرب يعمل على الحد من الفساد المالي عبر قوانين لمحاربة غسيل الأموال والرشوة (غيتي)

اتفاقية متعددة الأطراف
كان المغرب وقع يوم 25 يونيو/حزيران الماضي اتفاقية متعددة الأطراف بغرض التبادل الآلي للمعلومات المتعلقة بالحسابات المالية مع دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ستدخل حيز التنفيذ ابتداءً من العام 2021، لذا سيكون العام 2020 آخر فرصة للتصريح بالممتلكات والموجودات النقدية في الخارج وتسوية الوضعية.

يقول الخصاصي إن المشرّع المالي بقدر ما يسعى لتحصين المعاملات والممارسات المالية، مدعوّ للانفتاح وتحرير الاقتصاد المغربي بناء على الالتزامات الدولية في إطار تعاملاته مع المنظمات الدولية الاقتصادية والهيئات المانحة، معتبرا أن تهريب الأموال لم يعد شأنا وطنيا داخليا وإنما تجاوز الحدود الجغرافية للدول، وأي مجهود في هذا الصدد لا يمكن أن يتم بمعزل عن التعاون الدولي.

وخسر المغرب أكثر من 37 مليار درهم (3.85 مليارات دولار) بسبب تهريب الأموال إلى الخارج بين عامي 2006 و2015، وفق تقرير للنزاهة المالية. ويعتبر التلاعب في قيمة التصدير أو حجمه أو في الاستيراد على الفواتير، من أهم طرق التهريب.

ويعمل المغرب على مجموعة من الواجهات للحد من الفساد المالي عبر قوانين لمحاربة غسيل الأموال والرشوة وغيرهما من منافذ المال الأسود.

المصدر : الجزيرة