الإغراق أم الفساد.. من المسؤول عن إغلاق 2600 مصنع للنسيج بمصر؟

إغراق الأسواق المصرية بالملابس المستوردة تسبب في إغلاق مئات المصانع المحلية (الجزيرة)
إغراق الأسواق المصرية بالملابس المستوردة تسبب في إغلاق مئات المصانع المحلية (الجزيرة)

محمود صديق-القاهرة

"الملابس الصينية قفلت مصانعنا وخربت بيوتنا" جملة ألقى بها في وجهنا وائل عيد صاحب أحد مصانع النسيج بمحلة أبو علي التابعة لمحافظة الغربية بمجرد سؤاله عن أحوال الصناعة الآن.

وقال إن القرية لا يوجد فيها منزل يخلو من ورشة للنسيج أسفله، بالإضافة إلى المصانع الكبيرة، لذا كانت نسبة البطالة منعدمة، في حين احتلت البطالة الآن بيوت الجميع، بسبب الملابس المهربة من الصين وتركيا، والتي تباع بأسعار أقل من سعر تكلفة إنتاجها في مصانعنا.

وأضاف عيد للجزيرة نت "لذا أغلقنا مصانعنا انتظارا لتحرك حكومي ينصفنا، خاصة أن منا من قرر الهرب من مصير مجهول، فباع الأرض التي بنى عليها مصنعه، بعد أن تخلص من الماكينات بثمن بخس".

الملابس المستوردة سيطرت على السوق المصري نظرا لانخفاض أسعارها (الجزيرة)
إغراق وفساد
ما قاله عيد هو نفس ما دفع المتحدث باسم مجلس النواب المصري صلاح حسب الله للتقدم بإحاطة عاجلة إلى رئيس الحكومة ووزراء التجارة والصناعة والمالية والاستثمار بشأن أسباب إغراق الأسواق بالملابس المستوردة.

ويقدر متخصصون في هذا المجال أن إغراق السوق بالملابس والأقمشة المهربة يكلف الدولة سنويا أكثر 100 مليار جنيه (الدولار نحو 16 جنيها)، وقبل ذلك تسبب في إغلاق قرابة 2600 مصنع أبوابها للسبب ذاته.

محمود -وهو موظف في مدينة بورسعيد- يقول إن تهريب السلع -ومنها الملابس الجاهزة من المدينة التي تعامل كمنطقة حرة إلى داخل مصر- تتولاه ما أطلق عليها "مافيا الجمارك" المتمثلة في موظف الجمارك والمستخلص، حيث يسهلان خروج السلع دون جمارك مقابل مبلغ مالي يتم الاتفاق عليه.

وأشار محمود إلى وجود تجار كبار يقطنون في القرى القريبة من بورسعيد تخرج إليها أطنان من البضائع بشكل يومي بتسهيلات من العاملين الفاسدين، وحتى لو قبض على أحدهم يحرر له محضر بمصادرة ما يحمله من بضاعة، ثم تعاد له مقابل دفعه مبلغا من المال يتم الاتفاق عليه.

ويؤكد محمد المرشدي النائب البرلماني رئيس اتحاد الصناعات النسيجية أن وزراء المجموعة الاقتصادية يعلمون حجم التهريب دون اتخاذ إجراءات واقعية لوقف نزيف التهريب الذي قضى على صناعة الملابس في مصر وساهم في إغلاق 2600 مصنع.

وأضاف المرشدي في تصريحات صحفية أن هناك مناطق حرة عبارة عن شقق يستغلها أصحاب النفوذ، وهم جزء من قطاع الصناعة والمصدرين، مستغلين ثغرات القانون في التهريب، موضحا أن جميع المناطق الحرة التي لا تنطبق عليها الاشتراطات هي باب خلفي للتهريب، لأنها غير مؤمنة وبدون أي سيطرة ورقابة عليها.
خسائر مليارية
المرشدي قال إن التهرب الجمركي أهدر على الدولة ما يقارب 100 مليار جنيه (6.23 مليارات دولار) مقارنة بنحو 60 مليارا (3.74 مليارات دولار) قبل تحرير سعر الصرف نتيجة عدم سداد الجمارك والضرائب لتلك البضائع، مؤكدا أن محاربة التهريب والقضاء عليه مسؤولية وزارة المالية والاستثمار والتجارة والصناعة.

وأوضح أن هناك خطوات لمحاربة سرطان التهريب من خلال تجريم التهريب وتغليظ العقوبة، وعدم التصالح في قضايا الخاصة بالتهريب، ومراجعة الكميات المستوردة من الأقمشة، والتأكد من حقيقة المصانع المستوردة، وتقليل فترة السماح المؤقت، فضلا عن مراقبة المناطق الحرة.

ويرى عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات النسيجية سمير رياض أن السماح بدخول الملابس للمنطقة الحرة في بورسعيد كإحدى السلع بالإعفاءات المقررة يعد التفافا يمنح عمليات التهريب فرصا كبيرة لم تكن لتوجد بغير هذا السماح.

وتساءل رياض عن سر عدم تفعيل قرار اتخذ قبيل ثورة يناير بإلغاء المنطقة الحرة في بورسعيد خلال 4 سنوات، وعدم منحها أي ميزة إضافية، حتى لا تبقى شوكة في ظهر صناعة المنسوجات والملابس بمصر تضاف إلى أشواك أخرى متمثلة في ارتفاع باهظ لتكاليف الإنتاج والركود الذي ضرب سلعا كثيرة.

وأشار رياض في حديثه للجزيرة نت إلى الثروات الهائلة التي كونها المهربون على حساب الدولة من خلال مصانع ملابس وهمية، أو قيام أجانب باستئجار المصانع التي تعثر أصحابها، ثم أوقفوا تشغيلها لاستيراد ملابس وأقمشة ومستلزمات الصناعة باسم صاحبها وتراخيصه تحت بند إعادة تصنيعها، وبالتالي لا يدفعون رسوما جمركية سوى 5 أو 10%، في حين أن رسوم المنتج التام تصل 40%، ثم يطرحونها في الأسواق بأثمان بخسة.

وتساءل "أين دور أجهزة الدولة في الرقابة على الأسواق التي تعرض بها أمام الجميع الأقمشة والملابس المهربة التي أغرقت البلاد وتكاد تغرق صناعة بأكملها لها ثقلها في معادلة الاقتصاد القومي؟".
استيراد الملابس المستعملة من الخارج يلقى رواجا كبيرا في مصر (الجزيرة)

تعديل القانون
مجدي عمران -وهو صاحب أحد مصانع النسيج في منطقة شبرا الخيمة الشهيرة بتلك الصناعة شمال القاهرة- يرى ضرورة تعديل ثغرات القانون الخاص بفترة السماح لأصحاب مصانع الملابس الجاهزة كي يحولوا الأقمشة المستوردة إلى ملابس مصنعة ثم إعادة تصديرها، والتي تقدر بعامين كاملين.

وأكد عمران في حديثه للجزيرة نت أن فترة ستة أشهر كافية جدا للتصنيع وإعادة التصدير، وغير ذلك يكون تلاعبا وبوابة خلفية لتهريب الأقمشة المستوردة وطرحها في السوق، مما يضر بالصناعة المحلية أبلغ الضرر.

وشدد على ضرورة تفعيل آليات الرقابة بعناية من قبل مصلحة الجمارك، مشيرا إلى أن منظومة الفساد والتهريب تبدأ من عند من يسمى "المستخلص الجمركي" الذي يجب أن يلغى التعامل معه تماما، كذلك لا بد من تطوير التعامل الجمركي ليصبح إلكترونيا، لمنع التعامل المباشر بين موظف الجمارك والمستورد سدا لأي باب من أبواب الفساد.

وتقدر غرفة الصناعات النسيجية في اتحاد الصناعات المصري تراجع القوى الشرائية وحجم استهلاك السوق المحلي بقطاع الغزل والنسيج بنحو 75%، مقارنة بما قبل تحرير سعر الصرف، بسبب مخاوف المصانع من الإنتاج في ظل الارتفاع المستمر في التكاليف الثابتة من ضرائب وتأمينات وغاز وكهرباء ومياه وصرف صحي.

وتعتمد 4 مصانع على القطن المصري فقط، في حين تستورد باقي المصانع نحو 90% من الغزل أو القطن الخام، ويعمل في المنسوجات نحو مليون مواطن، ويضم القطاع نحو 5 آلاف مصنع مسجلة بالغرفة كقطاع رسمي يخضع للضرائب، ونحو 5 آلاف ضمن القطاع غير الرسمي.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة,الإعلام المصري