تحوط يقود الميزانية السعودية لتراجع الإيرادات والنفقات

الإيرادات العامة في ميزانية السعودية للعام المقبل تقدر بـ221 مليار دولار (رويترز)
الإيرادات العامة في ميزانية السعودية للعام المقبل تقدر بـ221 مليار دولار (رويترز)

عبدالحافظ الصاوي

ثمة مجموعة من الاعتبارات أخذ بها صانع السياسة المالية بميزانية المملكة العربية السعودية في عام 2020، منها ما يتعلق بالتقلبات السلبية في الاقتصاد العالمي، وتصاعد حدة الحرب التجارية، وأثر ذلك على نمو الاقتصاد العالمي، وكذلك ما تمر به سوق النفط من تقلبات لا تنم عن استقرار أو تحسن بأسعار النفط في الأجل المتوسط.

واستهدف صانع السياسة المالية من خلال ميزانية 2020، تشجيع القطاع الخاص، والتركيز على برامج الحماية الاجتماعية، ولذلك وُجد أن هناك ارتفاعا في معدلات الدَّين العام المقدرة في 2020، حيث يستهدف أن يصل هذا الدين إلى 754 مليار ريال (201 مليار دولار) مقارنة بـ 678 مليار ريال (180.8 مليار دولار) في 2019.

 أي أن الدين العام خلال 2020 سيزيد بقيمة 76 مليار ريال، وبنسبة تصل إلى 11.2%.

أما الاحتياطيات الحكومية، فيقدر لها أن تصل في 2020 إلى نحو 346 مليار ريال، مقارنة بـ 490 مليار ريال في 2018، وهو ما يعني تراجع هذه الاحتياطيات بقيمة 144 مليار ريال خلال عامين.

ملامح الميزانية
قدر بيان الميزانية الإيرادات العامة في 2020 بنحو 833 مليار ريال (221.1 مليار دولار)، مقارنة بما هو مقدر في 2019 بنحو 917 مليار ريال، أي أن التراجع في الإيرادات يبلغ 84 مليار ريال، وبما يمثل نسبة 9.1%.

في حين قدرت النفقات في 2020 بنحو 1020 مليار ريال (272 مليار دولار)، مقارنة بما هو مقدر لعام 2019 بنحو 1048 مليارا، أي أن هناك تراجعا أيضًا في النفقات بلغ 28 مليار ريال.

وبذلك بلغ العجز المستهدف في ميزانية العام المقبل 187 مليار ريال، وبنسبة تصل إلى 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أن هناك ارتفاعًا في قيمة العجز مقارنة بالعام الجاري بنحو 56 مليار ريال، وبما يمثل نسبة 4.7% من الناتج المحلي.

ويتناسب هذا مع السياسة المالية المتبعة بالسعودية منذ عام 2015، وهي زيادة نسبة التمويل بالديون، لكون نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي ما زالت آمنة.

الدَّين العام السعودي سيزيد خلال 2020 بقيمة 76 مليار ريال (رويترز)

تحليل الإيرادات
يقدر إجمالي الإيرادات المستهدفة في 2020 بنحو 833 مليار ريال، منها إيرادات غير نفطية بنحو 320 مليار ريال (38% من إجمالي الإيرادات)، وتتضم الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية بـ16 مليار ريال، وضرائب السلع والخدمات بـ 142 مليار ريال، والزكاة 26 مليار ريال.

وسجل بيان الميزانية تراجعا في بعض بنود الإيرادات مثل الإيرادات النفطية التي انخفضت بنحو 14.8% في ميزانية 2020، بسبب تحصيل أرباح استثنائية في 2019.

الأمر نفسه بالنسبة لحصيلة الزكاة المستهدفة التي ستتراجع في 2020 بنسبة 11.5%، بسبب تحصيلات استثنائية في 2019 ناجمة عن تسويات حسابات سابقة لزكاة البنوك.

أما الإيرادات الأخرى فتقدر بنحو 633 مليار ريال، منها إيرادات نفطية بنحو 513 مليار ريال.

ويلاحظ أن الميزانية السعودية ما زالت تعتمد على الإيرادات النفطية بشكل كبير، فهي تمثل نسبة 61.5%.

تحليل النفقات
تنقسم النفقات المستهدفة بميزانية 2020 إلى قسمين، الأول يخص النفقات التشغيلية التي تقدر بنحو 847 مليار ريال، وبما يمثل 83%، والقسم الثاني يضم النفقات الاستثمارية التي تبلغ 173 مليار ريال.

تضم النفقات التشغيلية (تعويضات العاملين 504 مليارات ريال، وشراء السلع والخدمات 104 مليارات ريال، والمنافع الاجتماعية 69 مليار ريال).

ويلاحظ هنا أن النفقات الخاصة بتعويضات العاملين تستحوذ على النصيب الأكبر من النفقات التشغيلية، وكذلك النفقات العامة، فهي تمثل نسبة 59.5% من قيمة النفقات التشغيلية، ونحو 49.4% من إجمالي النفقات الكلية.

وتشير أرقام بيان الميزانية إلى تراجع في جميع مكونات الإنفاق العام، ففي بند مخصصات الإنفاق العسكري لوحظ تراجعه إلى 182 مليار ريال مقارنة بـ 198 مليار ريال في 2019، بنسبة تراجع 8.2%، وهو أكبر بند تعرض للخفض في مكونات الإنفاق العام.

ويليه بند الإنفاق على التعليم، حيث تم خفض مخصصاته إلى 193 مليار ريال، مقارنة بـ 202 مليار ريال في 2019، وبنسبة خفض بلغت 4.4%، ثم قطاع الصحة والخدمة الاجتماعية الذي خفضت نفقاته إلى 167 مليار ريال، مقارنة بـ 174 مليار ريال في 2019، وبنسبة خفض 4%.

وكذلك قطاع التجهيزات الأساسية والنقل الذي رصد له 56 مليار ريال، مقارنة بـ 62 مليار ريال في 2019.

الميزانية
في حين تأمل السعودية الوصول إلى معدل نمو للناتج المحلي إلى 2.3% في 2020، مقارنة بـ0.4% متوقعا في 2019، نجد أن تقليص النفقات العامة لن يساعد في تحقيق هذه النتائج، خصوصا أن القطاع الخاص يعتمد بشكل كبير على النفقات العامة التي تعتبر المحرك لنشاطه.

فزيادة معدل النمو بنحو 2% تقريبًا يقتضي زيادة الاستثمارات الكلية بنحو 10%، وهو ما يتنافى مع تقليص النفقات.

الأمر الثاني في هذا الخصوص، هو أن غلبة الإنفاق التشغيلي على الإنفاق العام، تؤدي دون شك إلى ضعف المردود من هذا الإنفاق، وتكون القيمة المضافة ضعيفة، حيث إن ما يخص الإنفاق الرأسمالي، الذي من الممكن أن يعول عليه في زيادة القيمة المضافة للاقتصاد السعودي، لا تزيد نسبته على 17% فقط من إجمالي النفقات العامة.

وإذا ما أخذنا في الحسبان النفقات على الصيانة وقطع الغيار خلال هذا العام، فسوف تقل بشكل كبير نسبة مساهمة الإنفاق الرأسمالي في تحقيق قيمة مضافة بالاقتصاد السعودي العام المقبل.

وكون التخفيض في مخصصات الإنفاق شمل جميع البنود بالميزانية، إلا أنه من غير المستوعب في ضوء توترات المنطقة أن يتم خفض الإنفاق العسكري بنسبة 8.2% في 2020، في حين ما زالت التهديدات الأمنية قائمة في السعودية بشكل خاص، وفي المنطقة بشكل عام.

فيتوقع على أقل تقدير أن تبقى مخصصات الإنفاق العسكري في 2020 على ما كانت عليه في 2019 دون تخفيض، ما لم تشهد زيادة ملحوظة.

وفي ظل التداعيات المالية السلبية، التي تحوط لها صانع السياسة المالية في 2020 بالسعودية، ينبغي أن يكون التخفيض في مخصصات التعليم والصحة، مدارا بشكل لا يؤثر على كفاءة القطاعين، لما لهما من مردود على مؤشر التنمية البشرية بالمجتمع. وأن يكون التخفيض في إطار حسن إدارة الموارد وتوجيهها، وليس خصمًا من الاستثمارات في القطاعين، أو ذا تأثير على بنود التكنولوجيا والتدريب مثلا.

وجاءت مخصصات تعويضات العاملين بميزانية 2020 بالقيمة الموجودة نفسها بتوقعات 2019، وهو ما يعني أن عام 2020 لن يشهد أي زيادة في الرواتب، وهذا أمر غير منطقي. فمهما كانت معدلات التضخم منخفضة، إلا أن أعباء المعيشة تتزايد كل عام، وكان الأمر يحتاج إلى زيادة تكافئ معدل التضخم خلال عام 2020.

بقي أمر مهم، وهو أن الميزانية بالسعودية تمر دون مشاركة مجتمعية -أي من خلال مجتمع الأعمال والمجتمع الأهلي- كما أن مجلس الشورى السعودي، لا يعد مجلسا تشريعيا، أو يمارس دورًا رقابيًا على أعمال الموازنة، وهو ما يجعل السعودية في مرتبة متأخرة في ترتيب مؤشر شفافية الموازنة.

فالمشاركة المجتمعية في إعداد ومراقبة الميزانية تزيد من مساحات الشفافية وكفاءة تخصيص الموارد.

المصدر : الجزيرة