بلغ طولكرم.. الاستيطان الصناعي يغزو أراضي الفلسطينيين

عاطف دغلس-طولكرم

هذه المرة لم يجد زيتونه مخلوعا من أرضه ولم يُحرق المحصول كما جرت العادة، بل كان ما عثر عليه المواطن الفلسطيني محمد حامد (أبو العز) مجموعة من الأوراق علقت عند مدخل الأرض تنذر بمصادرتها وأراضي المواطنين المحيطة تمهيدا لتحويلها لمنطقة صناعية.

في قرار علني ويحمل صلفا وعنجهية إسرائيلية أعلن إيلي كوهين وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلي وفق القناة الإسرائيلية السابعة أن منطقة صناعية جديدة ستقام على أراضي قرى جنوب مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية لتكون الثانية بعد منطقة "نيتساني شلوم" (مصانع جيشوري) جنوب المدينة.

قلَّب المواطن أبو العز (48 عاما) الأوراق بدقة، وبمعرفة بسيطة باللغة العبرية التي اكتسبها خلال اعتقاله في سجون الاحتلال طوال 12 عاما ترجم الإخطار وعرف أن أرضه والأراضي المحيطة بمنطقة "وادي التين" مهددة بالمصادرة لصالح منطقة صناعية استيطانية جديدة تعرف باسم "بستان أفني حيفتس" نسبة للمستوطنة القريبة من المكان.

منذ قرار الاحتلال مصادرة الأرض وحال المواطن أبو العز والأهالي في تلك المنطقة لا يخفى على أحد، فهي بالنسبة له بمثابة حلمه الأخير المتبقي بعد اعتقاله واقتلاع زيتونه وهدم الاحتلال لمنزله ومنازل أشقائه.

المواطن محمد حامد أبو العز يواصل العمل بأرضه المهددة بالمصادرة (الجزيرة)

استمرار الاعتداءات
يروي أبو العز معاناته للجزيرة نت بينما كان يرفع الحجارة التي تدحرجت بفعل الأمطار فوق أشتال الزيتون الصغيرة ويقول إنه ومنذ فترة طويلة يحرمهم الاحتلال من استصلاح أراضيهم واستثمارها، كما ارتفعت اعتداءات المستوطنين ضدهم.

"لم نُمنع العمل في الأرض فحسب، بل فقدنا الأمن"، هكذا عبر أبو العز عن معاناته.

وكل ذلك يرده أبو العز إلى أن الاحتلال بات في المراحل الأخيرة من إنشاء المنطقة الصناعية الاستيطانية، مستدلا على كلامه بارتفاع ملحوظ في سعر الأرض من نحو خمسة آلاف دولار للدونم الواحد (الدونم يعادل ألف متر مربع) لأكثر من 22 ألفا، فضلا عن عمليات الهدم المتواصل والملاحقة اليومية.

ويؤكد ذلك مراد دروبي الناشط ضد الاستيطان في القرية، ويقول في حديثه للجزيرة نت إن كل المؤشرات تظهر تسارع الاحتلال في تهويد "واد التين" وهو اسم المنطقة، ويمنع أي بناء ويهدم القائم منه بحجة عدم الترخيص.

كما يعمل الاحتلال ومنذ فترة على شق الطرق بين مستوطنات "سلعيت" و"أفني حيفتس" المقامة على أراضي تلك القرى والمنطقة الصناعية الجديدة.

ويضيف دروبي أن لدى إسرائيل مخططات سابقة أفشلها الأهالي بإنشاء منطقة صناعية مشابهة خاصة بالمقالع الحجرية والكسارات، وتحاول إسرائيل فرضها "بطرق ملتوية".

وفي حال أنشئت المنطقة الصناعية بمدينة طولكرم، ستكون واحدة من نحو 25 منطقة يقيمها الاحتلال داخل 584 موقعا استعماريا بالضفة الغربية والقدس، وتضم مئات المنشآت الصناعية التي ينتج غالبيتها مواد تحوي مخلفات ضارة بيئيا وصحيا.

 دروبي: كان لإسرائيل مخططات سابقة بإنشاء منطقة صناعية لكن أفسدها المواطنون (الجزيرة)

دعم أميركي
يتوقع محمود أبو شنب الباحث الاقتصادي الفلسطيني أن يتضاعف النشاط الاستثماري الاستيطاني، لا سيما بعد القرار الأميركي الصادر مؤخرا الذي يعتبر أن المستوطنات لا تتعارض والقانون الدولي.

ويقول أبو شنب للجزيرة نت إن إسرائيل طرحت مناقصة لإقامة أول منشأة لاستخلاص الطاقة الكهربائية من النفايات بقيمة إجمالية تقدر بمليار شيكل (الدولار يساوي 3.5 شيكل) قرب مستعمرة "معاليه أدوميم" شرق مدينة القدس، ويجري تمويلها بالتعاون بين الحكومة ومستثمرين، على أن تطرح مناقصة أخرى دولية لخدمة هذا الغرض.

وبلغ عدد المناطق الصناعية حتى نهاية العام الماضي 25 منطقة وتضم حوالي ثلاثمئة منشأة، وتعد منطقتا بركان وأرائيل قرب مدينة سلفيت شمال الضفة الغربية أضخمهما، وتحويان ما لا يقل عن 180 مصنعا، وهناك خطة إسرائيلية لإضافة 12 منطقة جديدة وتوسيع الحالية.

ومؤخرا أصدرت محكمة العدل الأوروبية، وهي أعلى هيئة قضائية في الاتحاد الأوروبي، قرارا يلزم إسرائيل بوسم المنتجات المصنعة في مستعمراتها.

ورغم ذلك يقول أبو شنب إن الأمم المتحدة تمتنع عن نشر "القائمة السوداء" للشركات العالمية والإسرائيلية التي تعمل وتقدم خدمات لتلك المستوطنات، وتضم القائمة نحو 130 شركة إسرائيلية وستين شركة دولية.

وبلغ إجمالي الصادرات الإسرائيلية في العام 2018 نحو 110.6 مليار دولار، في حين وصلت وارداتها وخاصة من الاتحاد الأوروبي في الفترة ذاتها نحو 32 مليار دولار، مقابل 18 مليار دولار بمثابة صادرات.

ويوضح أبو شنب أن هناك 35 شركة إسرائيلية تسيطر على 60% من الصادرات إلى أوروبا، وبين أن إسرائيل تتعمد عدم الفصل بين منتجاتها من المستوطنات أو غيرها لتسهيل تسويقها عالميا.

في هذا المكان من الأراضي المصادرة ستنشأ المنطقة الصناعية الاستيطانية (الجزيرة)

بلا تكلفة
عمليا لا فرق بين مستوطنات صناعية وأخرى سكانية، فإسرائيل -وفق قاسم عواد مدير عام التوثيق بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان- تتخذ وسائل عدة للاستيطان ومصادرة الأرض وتهويدها، فهي تسيطر على أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية البالغة 5500 كيلومتر مربع.

وتكمن استفادة إسرائيل من المناطق الصناعية في أنها تنشأ بلا تكلفة فعلية مقابل ثمن الأرض التي يصادرها الاحتلال، كما تخنق هذه المصانع القرى والمدن الفلسطينية جغرافيا وتقطع أواصرها بيئيا بإنتاجها مواد أكثر سُمّية ومسرطنة، وأبرزها الصناعات الكيميائية والبلاستيكية والمبيدات الحشرية.

منذ تلقيه إخطار المصادرة والمواطن أبو العز لا يفارق أرضه رغم المناوشات مع المستوطنين، وقد أطلق هو والأهالي وبدعم رسمي برنامجا لفعاليات مستمرة للتصدي للقرار الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة