ما وراء الخروج الكبير للاستثمارات الأجنبية من مصر؟

تقارير المركزي المصري تؤكد أكبر خروج للاستثمارات الأجنبية (الجزيرة)
تقارير المركزي المصري تؤكد أكبر خروج للاستثمارات الأجنبية (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة

سجلت بيانات البنك المركزي المصري الصادرة قبل أيام خروج استثمارات أجنبية مباشرة خلال العام المالي الأخير بقيمة 7.749 مليارات دولار، وهو الرقم الأعلى في هذا المجال خلال السنوات المالية السبع الأخيرة.

وقالت بيانات المركزي -عن العام المالى 2018/2019 والمنتهى آخر يونيو/حزيران الماضي- إن هذا الرقم يزيد على نفس الفترة من العام الماضي بنحو 2.305 مليار دولار، إذ كان 5.444 مليارات دولار بالعام المالي السابق.

وربط محللون بين إجراءات سياسية شهدتها مصر خلال الفترة المذكورة وبين خروج الاستثمارات الأجنبية بهذه الكثافة، وجاء الخروج -برأيهم- خوفا من أن تؤدي هذه الإجراءات لاضطرابات كالتي أعقبت تطورات سياسية نهاية عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك حينما استحكم غلق المجال السياسي بما أفضى لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

ومع الخروج الكبير للاستثمارات، كانت الزيادة الكبرى للدين الخارجي الذي سجل بنهاية يونيو/حزيران الماضي 108.6 مليارات دولار، مقابل 106.2 مليارات بنهاية سبتمبر/أيلول الماضي، وفق الموقع الرسمي للمركزي.

وكشفت النشرة الإحصائية الشهرية -الصادرة عن المركزي مؤخرا- عن ارتفاع رصيد الدين الخارجي المستحق إلى نحو 108.7 مليارات دولار بنهاية يونيو/حزيران الماضي بزيادة بلغت نحو 16.1 مليارا بمعدل 17.3% مقارنة بنهاية يونيو/حزيران 2018.

تقارير بنوك الاستثمار تنصح بضرورة إزالة المعوقات الاستثمارية لعدم هروب المستثمرين (الجزيرة)

مخاوف المستثمرين
ورصد نقيب الصحفيين السابق الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أقصى تصاعد لخروج الاستثمارات خلال الربع الثاني من العام الحالي والذي بلغ 2.156 مليار دولار، وهي الفترة التي جرت خلالها أحداث الاستفتاء على تعديل الدستور، وذلك مقابل 1.220 مليار بنفس الربع من العام الماضي.

وأرجع -في حديثه للجزيرة نت- ذلك الخروج الكبير إلى تأكد بعض الشركات الأجنبية من أن البلاد مقدمة على فترة من عدم الاستقرار نتيجة إغلاق أية أبواب للتغير الديمقراطي لسنوات طويلة، ومن ثم اتجهت للخروج إلى أماكن أخرى أكثر استقرارا.

ويذكر الولي -الذي تقلد من قبل رئاسة مجلس إدارة صحيفة الأهرام القاهرية- بما سبق حدوثه عقب الانتخابات البرلمانية عام 2010 التي استحوذ خلالها الحزب الوطني المنحل على أغلبية كاسحة دون نصيب ملموس للمعارضة، فسارعت شركات أجنبية عدة بالخروج من البلاد وثبتت توقعاتها بوقوع ثورة يناير.

ويؤكد الخبير الاقتصادي على ارتباط الاستقرار السياسي والأمني باستمرار الاستثمار الأجنبي بأية دولة، معربا عن توقعاته بأن يشهد النصف الثاني من العام الحالي استمرار ظاهرة خروج الاستثمارات الأجنبية المباشرة نتيجة الأجواء التي أدت إلى مظاهرات العشرين من سبتمبر/أيلول الماضي وما أعقبها من اعتقالات، وارتباك من قبل السلطة الحاكمة في التعامل معها حد تأجيل مباراة الأهلي والزمالك خشية استغلال المتظاهرين لها كفرصة للخروج للشوارع.

ولفت إلى أسباب أخرى لخروج الاستثمارات أبرزها استمرار العديد من المعوقات بالبيئة الاستثمارية، وتغول الجيش بالنشاط الاقتصادي على حساب القطاع الخاص، وتراجع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين مما خفض من المبيعات وأدى لحالة من الركود بالأسواق، إلى جانب البيروقراطية والفساد، وارتفاع فائدة التمويل بالبنوك مما يزيد من تكلفة المنتجات الأمر الذي يضعف من تنافسيتها سواء بالأسواق المحلية أو الخارجية.

واختتم الولي تصريحاته للجزيرة نت بنفي صحة حجج مسؤولين بأن الاستثمارات الخارجة أموال ساخنة، موضحا أن الاستثمارات المباشرة تعني أساسا بالمشروعات، لكن الأموال الساخنة من أذون الخزانة تنتمي إلى استثمار الحافظة أو ما يسمى الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وهذه تتضمن أيضا السندات، وقد حققت رقما موجبا بقيمة 4.2 مليارات دولار بسبب بيع سندات خارجية بالعام المالي الأخير بحوالي خمسة مليارات دولار.

 الاستثمارات تراجعت هروبا من توقعات متشائمة بحالة من عدم الاستقرار السياسي (الجزيرة)

تقارير
ورغم أن تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أشار إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا بنسبة 13% خلال عام 2018، مع انخفاض التدفقات الاستثمارية من 1.5 تريليون دولار بالسنة السابقة عليها إلى 1.3 تريليون، فإن نفس التقرير يؤكد أن قارة أفريقيا -التي تقع بها مصر- نجت من تبعات الانخفاض العالمي بالاستثمار الأجنبي المباشر، وبلغ الاستثمار الأجنبي في أفريقيا 46 مليار دولار عام 2018، بزيادة قدرها 11% عن العام السابق.

واتفقت تقارير شركات بنوك الاستثمار -مثل تقرير بنك استثمار برايم وبنك استثمار شعاع- على تفسير انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر للعام الثاني على التوالي بوجود "توترات تجارية عالمية عادة ما تحد من تحركات رأس المال مع تنامي مخاطر الاقتصاد العالمي، وتصاعد نزعة الحماية التجارية".

وأرجع تقرير بنك استثمار برايم أسباب تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر إلى وجود "اختلالات هيكلية طويلة الأمد تعيق الاستثمار" ومنها استمرار البيئة الحالية ذات أسعار الفائدة المرتفعة، والترتيب العالمي المتدني لبيئة الأعمال.

وأشار التقرير إلى قطاع النفط والغاز كوجهة رئيسية لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي تحتاج إلى أكثر من مجرد تحسن في أسعار الفائدة.

وكان المركزي المصري قد خفض أسعار الفائدة بنسبة 1.5% في أغسطس/آب الماضي، ثم 1% بسبتمبر/ أيلول، ليصل إجمالي الانخفاض منذ بداية 2018 إلى 5.5%، مقتربا من العودة بأسعار الفائدة لمستويات ما قبل تعويم الجنيه (العملة المحلية).

المركزي خفض أسعار الفائدة مقتربا من العودة إلى مستويات ما قبل تعويم الجنيه (رويترز)

وطالب تقرير برايم بإصلاحات هيكلية إضافية تعالج المعوقات المزمنة للاستثمار، بما في ذلك الجهود المبذولة لتحسين بيئة الأعمال، ومرونة سوق العمل ومكافحة الفساد.

وكشف تقرير بنك استثمار شعاع أن من بين أسباب تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، تبرز "الظروف المحلية المتعلقة بالارتفاع المتوالي لكلفة الطاقة، والتعديلات الضريبية المستمرة" وهو من شأنه التأثير على الاستثمارات الأجنبية خاصة في قطاعات أخرى غير التعدين والغاز الطبيعي الذي حظي بتدفقات كبيرة نسبيا نظرا للاكتشافات الجديدة.

وبحسب مؤشر البنك الدولي لسهولة ممارسة الأعمال، احتلت مصر المركز 120 من بين 190 دولة في المؤشر، كما تراجعت للمرتبة 94 من بين 140 دولة بمؤشر التنافسية العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي.

وفي محاولة لوقف نزيف الخروج، أعلنت الحكومة الأسبوع الماضي حزمة من الإجراءات المشجعة لاستمرار الاستثمارات منها خفض أسعار الغاز لمجموعة من الصناعات، من بينها الحديد والصلب، والإسمنت، والألمنيوم، والسيراميك، من أجل دعمها وتشجيعها، وتقليل التكلفة عليها.

المصدر : الجزيرة