مصر.. واقع اقتصادي واجتماعي مؤلم للأطفال

العديد من الدول سنت قوانين خاصة بالطفل لحمايته والحفاظ على حقوقه (غيتي)
العديد من الدول سنت قوانين خاصة بالطفل لحمايته والحفاظ على حقوقه (غيتي)

عبدالحافظ الصاوي

المورد البشري هو أهم مكونات الموارد الاقتصادية (الطبيعية، والمالية، والبشرية). فالإنسان أساس التنمية، لذلك تتجه الدول الواعية لتركيز استثماراتها في البشر، فبهم يمكنها أن تستمر حضارتها وتقوى وتنتشر، وبغير ذلك فالتخلف والاندثار هو المصير المحتوم للحضارة التي تنتمي إليها.

وتركز برامج التعليم والرعاية الصحية على الأطفال منذ البدايات الأولى لحمل الأمهات، وقد عني المجتمع الدولي بالطفل، وسنّ العديد من الدول قوانين خاصة بالطفل لحمايته والحفاظ على حقوقه. وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، تحتفل الأمم المتحدة بيوم الطفل.

وفي مصر يبلغ عدد الأطفال 38.9 مليون نسمة، وهم الفئة العمرية أقل من 18 عاما، وتمثل هذه الشريحة نسبة 41% تقريبا من إجمالي عدد السكان، وفق تعداد السكان لعام 2017.

وعلى الرغم من أن الواقع المعيشي للأطفال لا ينفصل عن واقع أسرهم، فإن هناك العديد من الدراسات التي اهتمت بوضع الأطفال بمصر، سواء ما يخص الفقر ودلالاته على نوعية حياة الأطفال، أو فقدان بعض الشرائح من الأطفال للحماية، مثل ظاهرة ما عرف بـ "أطفال الشوارع"، أو الأطفال الذي يعيشون في العشوائيات.

أطفال فقراء
تتوفر بيانات عن واقع فقر الأطفال في مصر عبر تقريرين، الأول صدر عن مكتب منظمة اليونيسيف في مصر في ديسمبر/كانون الأول 2017، بعنوان "فقر الأطفال متعدد الأبعاد في مصر" وخلصت نتائجه إلى وجود ثلاثة من بين كل عشرة أطفال يعانون من الفقر متعدد الأبعاد -وهو مؤشر يبين الفقر في جوانب الدخل، والتعليم، والصحة، والبنية الأساسية، والأمن- وأن إجمالي أطفال مصر الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد قد بلغ نحو عشرة ملايين طفل في 2014.

إلا أن ما شهدته مصر من تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 ألقى بظلال شديدة السلبية على مستوى المعيشة للأسر المصرية، حيث قدر البنك الدولي عدد الفقراء ومن هم معرضون للفقر في أبريل/نيسان 2019 بنحو 60% من السكان في مصر، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا بالزيادة على شريحة الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد.

وهذا ما أكده تقرير منظمة الأسكوا في 2017، حيث شمل التقرير عشر دول عربية من بينها مصر، وخلص إلى أن 40% من السكان بهذه الدول أقل من 18 عامًا يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، وأن 25% منهم يعانون من الفقر المدقع.

البنك الدولي قدر عدد الفقراء ومن هم معرضون للفقر بنحو 60% من سكان مصر مما ينعكس على شريحة الأطفال (الأوروبية)

أطفال في خطر
ثمة ظاهرة سلبية تشهدها مصر منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهي ظاهرة "أطفال الشوارع"، وهم أطفال يتركون منازلهم ويعيشون بشكل كامل في الشارع، بسبب حالات التفسخ الأسري، أو الممارسات غير التربوية التي تتسم بالعنف ضد الأطفال، مما يحول هؤلاء الأطفال إلى خطر على أنفسهم بافتقادهم مقومات الشخصية السوية والحياة الطبيعية، وكذلك خطر على المجتمع، حيث يتحولون في الغالب إلى مدمني أو تجار مخدرات أو السرقة، أو ممارسة أعمال البلطجة، والعنف سواء ضد بعضهم بعضا أو ضد الآخرين.

في عام 2005 أنجزت منظمة اليونيسيف دراسة مهمة عن هذه الشريحة من الأطفال في القاهرة الكبرى (القاهرة، والجيزة، والقليوبية)، بعنوان "أطفال خارج إطار الحماية" وخلصت إلى أن عددهم على مستوى محافظات مصر يقدر بنحو 250 ألف طفل، ونظرًا لتدهور مستوى المعيشة بمصر بعد عام 2005، فالمنتظر أن يكون عدد هؤلاء الأطفال في تزايد، ولكن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، أعلن عبر مسح أجراه للظاهرة في عام 2017، أن عدد هؤلاء الأطفال في مصر بلغ 16 ألفا فقط!!

إلا أن واقع الحياة في شوارع القاهرة وغيرها من المدن الكبرى، يدلل على أن الأعداد تفوق ما ذكره تقرير اليونيسيف في 2005، حيث تحول هؤلاء الأطفال الآن إلى شبه المجموعات المنظمة، على مستوى المناطق أو نوع النشاط الاقتصادي الذي يتخصصون فيه، مثل غسل السيارات، أو تلميع الأحذية، أو الشحاذة، أو حراسة السيارات في الشوارع العامة.

ضحايا العنف السياسي للنظام
ثمة شريحة من الأطفال يعانون من مشكلات مركبة، منها ما هو اقتصادي، وتربوي، ومنها ما هو نفسي، وذلك منذ وقوع انقلاب 2013، حيث تعرضت الآلاف من الأسر، لفقد عائلها عبر المواجهات العنيفة للنظام مع خصومه السياسيين، في ميادين رابعة العدوية والنهضة وغيرهما من الأماكن التي شهدت مظاهرات لمعارضي الانقلاب العسكري.

فمن هؤلاء الأطفال من كان موجودا في أماكن المواجهات، أو في منازلهم حيث تم اعتقال آبائهم أو أمهاتهم أو أخواتهم، بل بعض هؤلاء الأطفال تم اعتقالهم، وصدرت ضدهم أحكام قضائية، وقضوا سنوات العقوبة، فيما يعرف في مصر بالمؤسسة العقابية، وهي دور مخصصة لمن هم دون سن الـ 18 عامًا. ويحتاج هؤلاء الأطفال لتأهيل نفسي، فضلًا عن حقهم في حياة طبيعية مستقرة مع آبائهم وسائر أفراد أسرهم.

أطفال العشوائيات
تتجذر مشكلة العشوائيات بمصر منذ عقود، بسبب فشل الحكومات المتعاقبة في توفير فرص العمل في مختلف محافظات مصر، مما جعل الأفراد يزحفون على المدن للحصول على فرص عمل، وغالبًا لا تسمح أوضاعهم المالية بالحصول على سكن في مناطق المدن المنظمة، فيتجهون للتجمعات السكانية العشوائية على أطراف المدن.

وغالبًا ما يعاني أطفال العشوائيات من سواء الخدمات الصحية والتعليمية، بسبب فقر أسرهم من ناحية، وكذلك غياب الحكومة وبرامجها التنموية والاجتماعية عن تقديم خدماتها بهذه المناطق، لذلك ترتفع ظاهرة التسرب من التعليم في هذه المناطق، وكذلك انتشار ظاهرة عمالة الأطفال.

وحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فظاهرة عمالة الأطفال في مصر تضم 1.6 مليون طفل في الفئة العمرية من 12 – 17 عامًا، والنسبة الكبيرة منهم نحو 65% يعملون في قطاع الزراعة، ونحو 20% يعملون في قطاع الصناعة والتعدين.

افتقاد الخدمات الأساسية

في ظل الأوضاع الاقتصادية المتراجعة في مصر، تأثرت مؤسسات تقديم الخدمات العامة بشكل كبير، بسبب الأزمة التمويلية للحكومة، واعتمادها على الديون بشكل كبير، وكذلك استمرار تزايد قيمة العجز سنويًا بالموازنة العامة للدولة.

فالمدارس في المراحل المختلفة قبل الجامعة تعاني من تكدس التلاميذ، حيث يصل عددهم في الفصل الواحد لنحو 75 تلميذًا، وحسب جريدة الأهرام الحكومية، فوزير التربية والتعليم طارق شوقي صرح في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بأن هذه المشكلة تحتاج لعشر سنوات لحلها، وأن الأمر يحتاج لإنشاء مئتي ألف فصل، ليكون عدد التلاميذ بالفصل الواحد 45 تلميذًا.

كما يعاني أطفال مصر من سوء التغذية والتقزم، ففي عام 2014 أصدرت منظمة الفاو تقريرها عن التقزم وسوء التغذية بمصر، وبينت الأرقام الخاصة بالتقرير أن طفلًا من بين كل ثلاثة أطفال مصاب بالتقزم وسوء التغذية بمصر.

وهذه الأرقام تستلزم ثورة في الإدارة والإمكانيات الحكومية، لتوجه إمكانيات الدولة لتحسين مستوى المعيشة للأسر المصرية، وليس إلى القصور والاستراحات الرئاسية، أو المقار الحكومية في المدن الساحلية.

لا بد من إعادة ترتيب الأولويات في الإنفاق الحكومي، وبخاصة في دولة مثل مصر، يتزايد سكانها بمعدلات لا تقل عن 2.5% سنويا، ولا توجد فيها خطة للقضاء على المشكلات الحالية، كما لا يوجد لديها حماية اجتماعية بشكل كاف، ولا ما يعرف بخطط الوقاية، ومواجهة وإدارة الأزمات. 

المصدر : الجزيرة