برنامج الإصلاح الذي طحن المصريين.. هل ضيع الجيش مكاسبه؟

السيسي يتفقد مشروعا زراعيا للقوات المسلحة (رويترز عن الرئاسة المصرية)
السيسي يتفقد مشروعا زراعيا للقوات المسلحة (رويترز عن الرئاسة المصرية)

انقضت السنوات الثلاث التي استفادت فيها الحكومة المصرية من قرض قيمته 12 مليار دولار حصلت عليه من صندوق النقد الدولي مقابل تطبيق سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التي طحنت قطاعات واسعة من المصريين.

وبينما يقدم الباحثون وخبراء الاقتصاد تقييمات متفاوتة لنتائج ذلك "الإصلاح الاقتصادي" الذي نفذته الحكومة وكيف أثر على حياة عامة الشعب، فإن فريقا من الباحثين يرى أن حقيقة الأمر لا تتضح إلا بفهم الدور المتنامي للجيش المصري في اقتصاد البلاد، وكيف تفاعل مع برنامج الإصلاح الاقتصادي.

وفي هذا السياق، نشر موقع بلومبيرغ الأميركي اليوم الثلاثاء مقال رأي بعنوان "جيش مصر يعوق الإنعاش الاقتصادي" للباحث تيموثي قلدس.

يقر الباحث بأن برنامج صندوق النقد الدولي سمح للدولة بإدخال إصلاحات كبيرة في منظومة دعم السلع والخدمات الأساسية وتقليص العجز في الميزانية العامة وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي وتخفيض قيمة العملة المحلية.

لكنه يؤكد أن عامة المصريين دفعوا ثمنا باهظا في تلك العملية، فقد أدت إجراءات التقشف وتخفيض قيمة العملة إلى تدمير القدرة الشرائية وجر كثير من السكان تحت خط الفقر.

ووفقا للمقال، لم تتحقق مكاسب تذكر بعد كل تلك الإجراءات القاسية، فقد تراجعت صادرات مصر، وظل المؤشر الشهري لنشاط مديري المشتريات بقيمة سالبة في غالبية الأشهر التي مضت منذ إطلاق برنامج صندوق النقد (11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016)، وهو ما يشير إلى انكماش اقتصادي في القطاعات غير النفطية، كما أن الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية يعد رقما ضئيلا فضلا عن أنه ينكمش.

لماذا يُلام الجيش؟
وفقا للمقال، يعد النشاط الاقتصادي الذي تمارسه القوات المسلحة عبر شبكة متنامية من الشركات عاملا رئيسا وراء التخلف البنيوي للاقتصاد المصري في المدى الطويل وعدم استفادته كما ينبغي من الإصلاحات الصعبة والمهمة التي حدثت في السنوات القليلة الماضية.

ويقوم الجيش بدور متضخم في الاقتصاد المصري منذ حقبة الرئيس جمال عبد الناصر، وينافس القطاع الخاص في إنتاج العديد من السلع الاستهلاكية، من المياه المعبأة إلى الأجهزة المنزلية. ومنذ انقلاب عام 2013 صار الجيش أكثر شراسة في مد أطراف إمبراطوريته الاقتصادية.

نموذج مصنع الإسمنت
قررت القوات المسلحة عام 2018 بناء مصنع إسمنت بتكلفة مليار دولار بالرغم من القدرة الإنتاجية الزائدة في هذا القطاع. ونتيجة لذلك تعرض القطاع الخاص المنتج للإسمنت لضغوط شديدة، بعدما كان يعاني أصلا من تشبع السوق بالإنتاج وارتفاع تكاليف المواد الخام.

وقد علق مصنع طرة للإسمنت -الذي يعمل باستثمارات ألمانية- إنتاجه كليا هذا الصيف بسبب تشبع السوق.

ومع تكاثر شركات الجيش، يخشى المستثمرون -الأجانب منهم والمحليون- من عواقب المنافسة مع مؤسسة تتمتع بميزات عديدة، من انخفاض الضرائب وتساهل اللوائح ووفرة الأيدي العاملة المدعمة وسهولة الحصول على الائتمان.

وفضلا عن أنها تقوض المنافسة في السوق، فإن الإعفاءات الضريبية لشركات الجيش تضر بوضع ميزانية الدولة. فعندما تقتطع هذه الشركات من الحصص السوقية للشركات الخاصة الخاضعة للضرائب، فإنها تقتطع من الوعاء الضريبي لمصر بأكملها. وتسجل البلاد أصلا أرقاما منخفضة في نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، تبلغ حوالي 14%.

العقود المباشرة
وقد منح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي شركات الجيش سلسلة من العقود المباشرة دون مناقصات، لتطوير البنية التحتية. وهذه السياسة ربما تعزز ولاء الضباط للسيسي، لكنها تزيد من فاتورة البنية التحتية الكبيرة أصلا. ونظرا إلى التحديات الاقتصادية والحاجات المستقبلية الكبيرة للبنية التحتية، يعتبر هذا الأسلوب هدرا للموارد وربما لن تتحمله البلاد.

علاوة على ذلك، فإن سطوة الجيش على الحكومة وأولويات إنفاقها يشجع سلوك الضباط في زيادة حصصهم من الثروة دون إضافة ثروة جديدة، ويعطي الأولوية للمشاريع التي تفيد شركات الجيش. وقد أشرفت شركة مملوكة للجيش على مشروع توسعة قناة السويس وتقوم شركة أخرى للجيش بإدارة مشروع إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة.

فضلا عن ذلك، فإن الطبيعة الاستبدادية للدولة تحرم المستثمرين من الحصول على المعلومات الضرورية لاتخاذ قرارات الاستثمار. فكل وسائل الإعلام مملوكة للدولة أو مؤسساتها. وبيانات الحكومة خادعة.

وقد وقع التشكيك في ادعاء البنك المركزي بتعويمه الجنيه حين أظهر تقرير أن البنك يستخدم البنوك الكبيرة المملوكة للدولة لإبقاء العملة في حالة مستقرة وربطها خفية بالدولار الأميركي.

غزو البورصة
وطرح السيسي فكرة إدراج شركات الجيش في البورصة المصرية، وصوّرها باعتبارها فرصة للقطاعين العام والخاص للاستثمار في مشروعات الجيش والاستفادة منها.

وحتى تستوفي شركات الجيش معايير تداول الأسهم في البورصة سيكون لزاما عليها أن تحسّن مستوى الشفافية بدرجة كبيرة. لكن بعض الشركات المنافسة في القطاع الخاص تخشى أن تقدم الدولة لتلك الشركات إعفاء قانونيا آخر، يسمح لها بطرح أسهمها في البورصة بمستويات متدنية من معايير الإفصاح. وهذا لن يمنحها ميزة إضافية وحسب مقابل القطاع الخاص، بل سيضر بموثوقية مؤشر البورصة المصرية.

لطالما اختار حكام مصر السيطرة والنفوذ بدلا من التقدم والنمو، وقد أفرز ذلك طبقة من الجهات المستفيدة -أبرزها الجيش- التي لا ترى فائدة في الإصلاحات اللازمة لانتشال البلاد من الفقر، من قبيل تقليل التعقيدات البيروقراطية ووضع لوائح أكثر شمولا واتساقا وتطبيقها بكفاءة وتسهيل الإجراءات الجمركية وتعزيز استقلال القضاء وإخضاع شركات الجيش للضرائب والأعباء التنظيمية نفسها التي تطبق على القطاع الخاص. ومثل تلك الإصلاحات تستوجب التنازل عن بعض السلطات لصالح الشعب.

المصدر : بلومبيرغ