"دولرة" وفقدان الودائع ومشاكل أخرى.. كيف يعكس عجز البنوك عمق الأزمة بلبنان؟

لبنان يعد أحد أكبر البلدان الأكثر مديونية في العالم (رويترز)
لبنان يعد أحد أكبر البلدان الأكثر مديونية في العالم (رويترز)

تتواصل المظاهرات في لبنان منذ شهر دون انقطاع، ولكن أكثر ما يشد الانتباه مؤخرا يتلخص في إغلاق البنوك أبوابها؛ مما أطلق صيحة فزع لم تشهدها البلاد حتى خلال الحرب الأهلية.

وقالت الكاتبة سيبيل رزق في تقرير بصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية إن فتح بعض الوكالات أبوابها لمدة أسبوع لم يرض العملاء الذين تُرفض جميع معاملاتهم بالعملة الأجنبية، كما نُشرت فيديوهات تتحدث عن أعمال عنف شهدتها مكاتب بنكية أجبرت بعد ذلك على إغلاق أبوابها لدواع أمنية.

ولكن ذلك يؤكد مدى خطورة الأزمة التي يمر بها لبنان، الذي يعاني أصلا من أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

وتتلخص المشكلة -حسب الكاتبة- في ظهور أزمة سيولة في القطاع البنكي، علاوة على تراجع قيمة الليرة اللبنانية، التي فقدت بين 20 و25% من قيمتها في الأسواق غير المصرفية، في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على الحفاظ على استقرار العملة على امتداد 25 سنة.

وتنقل الكاتبة أن العديد من الخبراء تحدثوا عن أن إفلاس لبنان أمر لا مفر منه، وذكرت أن البنك المركزي اللبناني بدأ يعبئ احتياطاته بالعملة الأجنبية بتكلفة باهظة، حيث يوفر عائدًا بلغ نحو 15% على مدار ثلاثة أعوام، خاصة الدولار.

وأفادت الكاتبة بأن ديون الدولة اللبنانية -التي تعد بالفعل واحدة من أكبر الديون في العالم- أضيفت إلى ديون البنك المركزي، ناهيك عن ديون الشركات والعائلات التي تمثل 91% من الناتج المحلي الإجمالي.

 فقدان الودائع
ونقلت الكاتبة عن أحد المصرفيين القلائل الذي تشجع وتحدث عن هذه الأزمة دون أن يفصح عن اسمه؛ أن "اللبنانيين يظنون أن البنوك أغلقت أبوابها بسبب الثورة، لكنهم لا يعرفون أن القطاع المصرفي بأكمله بحاجة إلى إعادة رسملة شاملة، وأنهم سيفقدون بعض ودائعهم؛ لقد أصبح الوضع جنونيا".

وأضاف "أزمة السيولة ليست هي الوحيدة التي تعرض اقتصاد البلاد للخطر، فالمشكلة تشبه إلى حد ما الأزمة الكبيرة التي شهدتها الولايات المتحدة سنة 2008. إنها ناتجة عن اضطراب التوازن بين الودائع وكيفية استغلالها. كما دأبت البنوك لسنوات طويلة على الاهتمام بأرباحها في تخصيص الأصول".

وأكدت الكاتبة أن الاقتصاد اللبناني يقوم أساسا على "الدولرة" بنسبة تفوق 70%، حيث تقدر قيمة سيولة العملات التي لا تزال متاحة في النظام المالي بنحو عشرة مليارات دولار من أصل 262 مليار دولار من الأصول. كما أن الأغلبية العظمى من السلع المستهلكة في لبنان تأتي أساسا من الخارج، حيث تمثل الزراعة 2.9% فقط من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، والصناعة نحو 8%.

 

خلل هيكلي
وأفادت الكاتبة بأن لبنان يستهلك دولارات دون حساب على امتداد ثلاثة عقود، ودون أن يستثمرها في قطاعات قادرة على استعادتها مستقبلا، لكن هذا الخلل الهيكلي، الذي يترجم إلى عجز قياسي في الحساب الجاري بلغ 22% من الناتج المحلي الإجمالي؛ تمت تغطيته بتدفقات هائلة من رأس المال.

وأشارت الكاتبة إلى أن الهجرة المتواصلة للبنانيين تقف وراء المستوى القياسي من التحويلات المالية لبلدهم الأصلي، بالإضافة إلى عمليات نقل للمضاربة بالدولار القادمة من خارج البلاد.

ونوهت إلى أن هذا النموذج تعرض لانتكاسات خلال عدة مناسبات، قبل أن يتم إنقاذه عن طريق دعمه من رأس المال، خاصة في 2002، وخلال مؤتمر "باريس2" الذي حشد المجتمع الدولي لدعم لبنان، أو بعد 2008، عندما هجر العديد من اللبنانيين المراكز المالية الدولية التي تمر بأزمة بحثا عن ملاذ ضريبي في بيروت.

وأشارت الكاتبة منذ 2011، إلى مضخة الدولار توقفت، وتواصل العجز المالي في الارتفاع، وفي الوقت الذي تبلغ فيه قيمة احتياجات تمويل المؤسسات الاقتصادية قرابة 15 مليار دولار في السنة، انخفضت التدفقات الداخلة إلى أقل من النصف. ولإعادة تنشيطه، ضاعف محافظ البنك المركزي الهندسة المالية المكلفة، ولكن دون جدوى.

وأضافت الكاتبة أن آخر محاولات إنقاذ هذا النموذج تعود إلى أيام مؤتمر "سيدر" الذي عقد بباريس في أبريل/نيسان 2018، الذي استند إلى تقديم قروض مدعومة مقابل الإصلاحات الهيكلية والقيام بعملية تعديل مالي.

لكن الطبقة السياسية اللبنانية التي ترتكز على أسلوب عمل جماعي يضم جميع القوى السياسية واستغلال موارد الدولة، أثبتت عجزها في إعادة إصلاح طريقة إدارتها للنظام، كما أثبتت عجزها في مقاومة احتمال انهيار النظام الاقتصادي والمالي، حسب الكاتبة.

 

المصدر : لوفيغارو